<?xml version='1.0' encoding='UTF-8'?><?xml-stylesheet href="http://www.blogger.com/styles/atom.css" type="text/css"?><feed xmlns='http://www.w3.org/2005/Atom' xmlns:openSearch='http://a9.com/-/spec/opensearchrss/1.0/' xmlns:georss='http://www.georss.org/georss' xmlns:gd='http://schemas.google.com/g/2005' xmlns:thr='http://purl.org/syndication/thread/1.0'><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304</id><updated>2012-02-16T14:10:35.588+03:00</updated><category term='شذرات'/><category term='فلاسفه'/><category term='لاهوتيه'/><category term='إجتماعيه'/><category term='أبحـاث'/><category term='جماليات'/><category term='السياسه'/><category term='روائع المقالات'/><category term='الاستراحه'/><category term='الفلسفة'/><title type='text'>for live</title><subtitle type='html'></subtitle><link rel='http://schemas.google.com/g/2005#feed' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/posts/default'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default?max-results=100'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/'/><link rel='hub' href='http://pubsubhubbub.appspot.com/'/><link rel='next' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default?start-index=101&amp;max-results=100'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><generator version='7.00' uri='http://www.blogger.com'>Blogger</generator><openSearch:totalResults>217</openSearch:totalResults><openSearch:startIndex>1</openSearch:startIndex><openSearch:itemsPerPage>100</openSearch:itemsPerPage><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-5611951800061508957</id><published>2010-04-12T01:19:00.001+03:00</published><updated>2010-04-12T01:22:49.046+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>كــانط و الحــداثه الدينيـــه ....</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;"إنّ دينا يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه"                           كانط  ـ الدين في حدود&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt; أم الزين المسكني&lt;/span&gt; &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt; مجرّد العقل ـ تصدير الطبعة الأولى&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;مــقــدمـــة :&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;1) لماذا الحداثة الدينية ؟ &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لقد تعوّد الإنسان العربي منذ دهر من الزمن على استقبال استطيقي للحداثة (1) يكتفي فيه باستمتاع واستئناس بمكاسبها التقنية من جهة العلم، وباستهلاك وتشدّق بشعاراتها السياسية من جهة العمل .&lt;br /&gt;لكن يبدو أن حداثة دينية  (2) ثاوية في مشروع الحداثة الغربية لم يقع بعد الإنتباه إلى مقوّماتها ومخاطرها . إنّها المعنى الآخر من الحداثة الذي قد يساعدنا على معالجة نكتة الإشكال الذي يرهن وجودنا الحالي وذلك بوصفنا حضارة تقيم في العالم منذ زمن بعيد إقامة دينية.ربّ إقامة صارت اليوم إلى ثقوب سوداء يصعب احتمالها وعلاجها معا.إنّ "الحداثة الدينية" مفهوم نستعمله هنا بكلّ حيطة وتوجّس فلسفيين ، مسترقين السمع إلى ما به تتقوّم الحداثة في هذه الأوطان التي تخصّنا والتي نتدبّرها بعقول قد تكون مضادة للحداثة ما دمنا لم نشارك فعلا في صيانة الحداثة لا على جهة العلم ولا على جهة السياسية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن الطـريـف في ضـرب الحـداثـة الذي يخصّنا صار إلى أمـر جلل يـرهب ويـرعب ويصـدم معا : إنّ الـوجـود لدينا أصبح يقـال ويحدث ويقـاوم ويحيي ويميت بـاسم الـدين سـواء في تقـاطعـه مـع الـدولـة أو مـع الإنسـان أو مع الـوطن. أشياء رهيبـة تحـدث اليـوم إذن بـاسم الدين ، ولنسمّ الأشياء بأسمـائـها بـإسم الإسـلام تحديدا ، وتسميات غـامضة مشطّة أحيانا ، ظالمة أو محقة أحيانا أخـرى يـزاحم بعضـها البعـض : شهيـد ومقاومـة ، إرهاب وإرهابيون (3) ، أصولية أم أصوليات وأصوليون ، برابـرة جـدد ، صـدام همجيات. (4)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;نحن لا نقصد هنا البحث عن تحديث للدين في معنى تجديد أو اصلاح أو نهضة (5) ولا عن انخراط في مشاريع نقد الدين(6) إنما نطلب فحسب الكشف عن طريقة العقل الغربي الحديث في صياغته لضرب من الحداثة الدينية التي واكبت لديه مكاسب الحداثة العلمية والسياسية القائم على العقل مدبرا أولا لشؤون الحقيقة ولسياسة المدينة معا. وهي حداثة يبدو أنّ أفضل تعبير حديث عنها هو ذاك الذي صاغه جان جاك روسو في آخر فصل من العقد الاجتماعي تحت عنوان طريف هو "الدين المدني" ( la religion civile). لكنّ قصدنا ليس روسو بل كانط.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2)  لماذا كانط والحداثة الدينية ؟ (7)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لماذا العودة إلى كانط في زمن العودة إلى الدين (8)، وأي معنى  لعودة كهذه؟ أهي عودة نقد أم عودة تأويل أم عودة تفكيك ؟ (9) ألا يتوفر العقل الفلسفي الحالي لعصور ما بعد الحديثة ، وقد طلّق بعد كلّ أدوات فلسفة الذات الكانطية ، ما به يسدّد مهمّة التفكير في الدين أو بالأخرى ما به ويعالج الثقوب السوداء (10)التي تزجّنا فيها الأصوليات المعاصرة بأسم الدين أحيانا وبأسم الحداثة أحيانا أخرى ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;نحن نفترض أن الغرب قد انخرط في ضرب من الحداثة الدينية مواكبة للحداثة العلمية والسياسية، أي في استعمال مدني حديث للدين نجد في  كتاب الدين في حدود مجرّد العقل ( 1793) لكانط عبارته التامة ، وفيه يقترح معالجة عقلية طريفة للدين قائمة على مكاسب العقل الحديث وصورة المجتمع المدني وبخاصة مبدأ الحرية وأخلاق المواطنة الكونية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;و لذلك نحن هنا نعود إلى كـانط بعد قرنين كـاملين من العودات المتلاحقـة إليـه(11) وهي عـودات تراوحت بين البحث فيه عـن تحليلية للحقيقـة (القراءة الأبستمولجية) (12) أو عـن مشـروع الأنطـولوجيـا الأسـاسيـة (القراءة الهيدجرية) (13) أو عـن رومانسية العبقريـة (14)، أو عـن إعـادة تـأهيل للفلسفـة العمليـة والسياسية عموما (غاداهير-حنّا آرندت-  هابرماس)، أو أخيرا بحثا عن خطوط إفلات (15)، أو عن تخوم تفكيك (16)أو عن بوادر مجيء الإنسان ومعاني موته مع آخر الفلاسفة (17)(دولوز- فوكو- دريدا) ؟ ونحن إذ نعود مرّة أخرى إلى كانط إنما من أجل أن نبحث في فلسفة عن درب إضافي للاقتراب أكثر من أنفسنا أو ممن يقومون مقام أنفسنا طالبين اللجوء هذه المرة إلى ذات كتاب لم يعرف بعد الطريق الملكي إلى الثقافة العربية الإسلامية.(18) وهي أكثر الثقافات اليوم تضررا من جهة احتمالها لانطولوجيا دينية أصبحت محلّ توجّس وخيفة من طرف الجميع.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;نحن نفترض في هذا المقام الذي نحن فيه أن خير إحياء لذكرى كانط بعد مائتي عام من رحيل جسده ، ولنقل خير احتفال فلسفي ليس بنقد كانط للعقل ولا بنظريته في الأخلاق أو بفلسفته في التاريخ أو بجماليات الذوق لديه(19)، بل بفلسفة الدين لديه مثلما صّمم ملامحها النهائية كتاب كتبه كانط على عجل وعلى كبر (20) وبفن كتابة خاص بعصر الرقابة (21)وفي مدينة لا تسمح لفلاسفتها بالإشتغال الفسفي الحرّ على عقائد الأمة وثوابتها، هو كتاب الدين في حدود مجرد العقل (1793).&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنّ غرضنا من هذا القول هو تقديم كتاب كانط الدين في حدود مجرّد العقل  في لغة ثقافة وإن كان محيالها يزخر بالدين في حدود العقل وخارجه في آن ، وإن كان تراثها ينعم بزخم مؤلفات الفلاسفة في الدين (22)، فإنّنا نراها لا تزال بحاجة ملحة إلى ضرب من الحداثة الدينية ، نعني من الاستعمال العقلي للدين، أو استعمال الدين في حدود مجرّد العقل. وهي حداثة إن كان الغرب المسيحي قد أتقن بناءها والسير فيها فإن الشرق الإسلامي مازال بعد يتعثّر في تصور ملامحها الدنيا. وإن تسنّى لنا التعبير في لغة المجاز الكانطي نقول لئن وجد العرب اليوم ، إلى حدّ ما، الدرب الآمن إلى الحداثة العلمية والتقنية ، ولئن إنخرطوا بمعنى ماّ كرها أو طوعا  في طريق الحداثة السياسية،  فإنهم لم يسلكوا بعد الدروب الآمنة السليمة إلى الحداثة الدينية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ونحن نرى أن كانط قد رسم على طريقته وبفنه الفلسفي الخاص الطريق (23)إلى الحداثة الدينية في كتاب "الدين في حدود مجرّد العقل".&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإن كان فيلسوف كونكسبرق قد انشغل في نقد العقل الخالص (1781) بفحص شروط إمكان الحداثة العلمية ، وإن كان قد شرع في نقد العقل العملي (1788) لمبادىء حداثة أخلاقية، وإن كان قد خصص نقد ملكة الحكم (1790) لرسم ملامح حداثة استطيقية، فهو يبدو لنا في كتاب (1793) عاكفا على تعيين الدرب الآمن نحو حداثة دينية ، أي فهم  الدين واستعماله "في حدود مجرّد العقل".&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنّ الأمر يتعلق عنده بالخروج بالدين من فضاء الملّة إلى أفق المواطنة الكونية. كيف ينقلنا كتاب الدين في حدود مجرّد العقل من دين ملل ونحل ، أو دين عبادة إلى دين عقل محض، أي دين حرية ؟ ذلك هو معنى الحداثة الدينية التي تنقلنا من دين الإستبداد الروحاني القائم على الأوهام الدينية من جنس الحماسة والخرافة والإشراق والخوارق ، إلى دين الجماعة الإتيقية الكونية القائم على العقل الأخلاقي المحض وعلى حسن تدبير للحرية الأصلية في الإنسان نفسه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنه من أجل أن نتبين معالم الحداثة الدينية التي نفترضها ثاوية في كتاب الدين في حدود مجرّد العقل لكانط، سوف نقف في لحظة أولى على إحصاء شروط إمكان هذه الحداثة ، مثلما تصرّح بها أو تضمرها حرفية نص الكتاب المحرجة بتوتّر دائم ما بين رقابة العقل النقدي ورقابة القائمين على تدبير المدينة ، وهو توتّر مضاعف تضمره استراتيجية التسمية : "الدين في حدود مجرّد العقل" ؟ ما دلالة هذا الإسم ؟ هل هناك دين خارج حدود العقل ؟ ثمّ نقف عند معماريات الكتاب وهي القائمة ايضا على توتر صارخ ما بين الشرّ الجذري في أبعاده المختلفة والخير الأصلي في الإنسان الذي عليه أن ينتهي بحسن تدبير للحرية في أفق جمهورية الفضيلة أو الجماعة الإتيقية الكونية. وتكتمل معماريات الدين العقلي عند كانط بفضح لاذع للإستبداد الروحاني بوصفه مبدأ لكل دين خارج حدود العقل ، موقعا نظرية فريدة في نقد الوهم الديني داعيا إلى دين حرية ضدّّ دين استبداد ووهم.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن لن نتوقف عند معالم هذه الحداثة الدينية السعيدة التي يبشر بها كانط والتي وإنْ تجعل المسيحيين بما لديهم فرحين ، فقد لا تكون في حجم الحرج الميتافيزيقي الذي تعاني منه ديانات أخرى كالإسلام واليهودية ، أين يقوم فعلا اليوم مدار الصراع التاريخي الرهيب . ذلك هو المدخل الذي توفره لنا تفكيكية دريدا كاشفة في كتاب كانط عن الدين أكثر ثقوبه إثارة للفزع الفكري ، أي ما يعتبره دريدا أطروحة الكتاب نفسه والتي تقول بأن "المسيحية هي الدين الأخلاقي المحض الوحيد من بين جميع الديانات الأخرى... بل قد لا تكون الديانات الخرى ديانات عند كانط. فاليهودية عنده مثلا ليست دينا... وإنما هي عبادة أو عقيدة..." (24)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ودريدا يبدي استياء فلسفيا مريرا من هذه الأطروحة الكانطية : اذ يسأل : أين الإسلام واليهودية إذن من مثل هذا الكتاب ؟ وهل إن "الدين في حدود مجرّد العقل" هو الدين في حدود المسيحية المجردة ؟ كيف تستقيم عندئذ حداثة دينية قائمة على المواطنة الإتيقية الكونية مع مسيحية جذرية تقصي بقية الملل والنحل ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;I – شروط إمكان الحداثة الدينية :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1)    – كيف الكلام على الدين في عصر الرقابة ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;حينما كان كانط بصدد رسم شروط إمكان الحداثة الفلسفية في مجال العقل النظري المحض ، كان يتوفر على براديغم قرر أن يحذو حذوه هو ما أنجزه كوبرنيك في علم الفلك(25)ونيوتن وقاليلي في علم القيزياء، ولكن أنّى له أن يسعد بنفس ذلك الحظ في مجال الدين الذي لا يمكن له أن يحتضن أيّ كوبرنيك ؟! فمن فكّر في الدين في عصره كان إماّ دغمائيا متهافتا على تبرير وجود الإله كحال ليبنتز مثلا (26)، أو ريبيا يرجع الدين إلى ضرب من التاريخ الطبيعي مثل هيوم (27)أو ملحدا ينكر كلّ أشكال الوحي ويفضح تهافت الدين القائم عليها مثل فيخته (28)، أما كانط فقد قرر أن ينتهج لنفسه مسلكا مخالفا : التعامل مع الدين في حدود مجدرّ العقل.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;"الدين في حدود مجرّد العقل" ؟ عنوان يوقّع نمطا طريفا غير مسبوق من التعامل مع الدين. لكن لماذا لم يكتب كانط نقدا للدين مثلما كتب نقدا للعقل النظري والعملي وملكة الحكم الجمالي والغائي ؟ هل يكون مجال الدين أخطر على الفيلسوف من مجال العقل والعمل والإبداع ؟ وهل تتراجع آلة النقد الحاسمة أمام موضوعة الدين مخلّفة بذلك ثقوبا سوداء هاوية لا قرار لها داخل المشروع النقدي الكانطي الذي لطالما تعنّى بأنه "لن يفلت لديه شيء من النقد حتى أكثر التشريعات قداسة" (29)، وأنّ النقد إنما جاء "ليجتث كلّ أشكال التطرف والدغمائية والروحانيات المشطة" (30). هل يكون الدين لدى كانط مثلما يصرح به بعض من كبار فلاسفتنا هو من "باب المضنون به على غير أهله" أو "الذي من شأنه ألا يصرح به للجمهور" أو "ما لا يقال إلاّ بتخييل" (ابن رشد) ؟ (31) كيف يمكن للفيلسوف أن يسمى إذن قوله في الدين ؟ ليس أمامه سوى أن يحتمي بالعقل آلته الميتاقزيقية ومعقله الخاص الذي يحميه من السقوط في فخ الرقابة من جهة وفي أوهام العوام من جهة أخرى.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لقد أحدث كتاب الدين في حدود مجرّد العقل ضربا من الانقباض بل والإستياء والغضب لدى القائمين على تدبير العقل والقائمين على تدبير المدينة معا. وهو ما نقرأه في تصدير نزاع الكليات  (1798) الذي أورد فيه كانط حكايته مع الرقابة . حيث نقرأ نصّ رسالة تأنيب بعث بها وزير الملك فريديريك الثاني (woellner) مطالبا كانط بتبرير ما ألحقه كتابه الدين في حدود مجرّد العقل من تشويه واحتقار لثوابت الدين المسيحي قائلا : "لقد لاحظ سموّنا منذ زمن بمرارة وضجر الطريقة التي وفقها أسرفتم في فلسفتكم في تشويه واحتقار الثوابت الأساسية والرسمية للكتب المقدمة وللمسيحية... وذلك بخاصة في كتابكم "الدين في حدود مجرّد العقل "...) فإننا نلزمكم ضرورة بتبرير فعلكم ذاك ، وإن لم تفعلوا فينبغي أن تنتظروا منا مالا يعجبكم".(32)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وكان حينئذ على كانط أن يجيب المرسوم الملكي مبرئا ذمته وكتابه من كلّ تهمة زندقة "... إنني بوصفي مربيّا للشباب أي ضمن دروسي الأكاديمية لم أتعرّض قط بأي نقد للكتب المقدسة ولا للمسيحية... وإنني لم أشكك أبدا في الدين الرسمي للدولة... وإن كتابي الدين في حدود مجرّد العقل هو بالنسبة للعموم كتاب مستغلق وغير مفهوم... وإنما هو مجرّد نقاش بين علماء الكلية لا تعيره العامة أي اهتمام". (33)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;أما علماء الكلية فقد استاء بعضهم من كتاب كانط عن الدين وها هو كانط يردّ عليه في تصدير الطبعة الثانية من هذا الكتاب (1794) قائلا : " يكفي من أجل فهم هذا الكتاب في مضمونه الأساسي ، أن يكون للمرء مجرّد الأخلاق المشتركة من دون أن يضطرّ إلى العودة إلى نقد العقل العملي ، واقلّ من ذلك أيضا إلى نقد العقل نظري . أنه كتاب يمكن أن يدرك كنهه حتى الأطفال أنفسهم" (34)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;بذلك نلاحظ أنّ كانط قد حاول الدفاع عن وجاهة كتابه عن الدين بطريقتين متباينتين: من جهة، يقول للحاكم إنّه كتاب للعلماء و ليس للعامة؛ ومن جهة يقول للعلماء هو كتاب للعامة وليس للنخبة. يبدو أنّ هذا التردد ربّما يعبّر عن حرج الفكر النقدي أمام مجال يحاول أن يتملك فيه المهارة الكافية للكتابة في عصر الرقابة .  لقد كان على كانط أن يفكر في الدين بمحض العقل واضعا نصب عينيه خطرين اثنين : خطر السقوط في فخ الرقابة السياسية، إذا مازجّ بالدين في مجال النقد. وخطر خيانة فلسفته النقدية نفسها إذا ما تراجع النقد لديه أمام موضوعة الدين.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يشتغل كانط إذن على الدين لا تحت عنوان يثير الإستياء والسخط من جنس ذلك الذي اقترحه فيخته في كتابه محاولة في نقد كل وحي (1792-1793)، وذلك تحت راية الكانطية نفسها وفي كتاب احتسب على كانط من فرط كانطيته المشطة(35). لقد قصد كانط بعنوان "الدين في حدوج مجرد العقل" إلى ضرب من التقية الفلسفية ، حجاب جهالة كاف لوقايته ممّ كان قد وقع لبروتاغوراس مع أهل أثينا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فنحن نراه يذكّر في خاتمة "مذهب الفضيلة" من ميتافيزيقا الأخلاق (1797) ، في حركة تأويلية رشيقة،  بمحنة بروتاغوارس مع الأثينيينن (36)جرّاء موقفه من الإله : فالفيلسوف ههنا وهو يكتب مرّة أخرى بدلا عن بروتاغوراس وأمثاله الكثر من الفلاسفة يمتلك من حيلة العقل ما يقيه من آلة الإضطهاد وكأنما بكانط هنا ينجز انضباطا للعقل في حجم الرقابة التي تحدّ استعماله من كلّ صوب وحدب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لقد كان بروتاغوراس يقول : "لا أستطيع أن أقرّ إن كان الإله موجودا أم غير موجود ، فالمسألة معقدة والعمر قصير". كانط يقول هو أيضا في عبارات مماثلة أن العقل البشري من جهة ماهيته نفسها بوصفه عقلا متناهيا لا يستطيع أن يحسم أبدا أن كان هناك الإله أم لا... تلك القضية لا تهمّه أصلا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن ، لنفعل كأنّما ( comme si ) الإله موجود ... أي لنفرض أنّه موجود ولنفعل على هذا الأساس. إن كانط يجري تحويلا جذريا على استراتيجية القول الفلسفي في الدين إذ يستبدل وقاحة بروتاغوراس العمومية بحيلة العقل النقدي الذي يصنع انضباطا داخليا للعقل (منذ نقد العقل المحض) ضد رقابة عمومية، ويقرر أن يشتغل على ما ينفع الناس بحسب مصالح العقل البشري. أما ما تبقى فأمور ليست من شأنه أصلا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2) ما هي الدلالة التي يرتضيها كانط لعبارة "الدين في حدود مجرّد العقل" ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;هل هناك دين داخل العقل ودين خارج العقل ؟ دين عقلي أو دين مجنون ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يشتغل كانط على دلالة عنوانه بوصفه يصلح لديه لا لتعيين موضوع كتابه فحسب ، بل وخاصة إلى توقيع منهج نقدي أصيل في السير بمجال الديني على درب ضرب من الحداثة الدينية القائمة على العقل آلة ميتناقيزبقية خالصة ، وعلى الحرية مفتاحا مدنيا لا بديل عنه ، وعلى الإنسان أفقا لمواطنة كونية استكشافية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في تصدير الطبعة الثانية من الكتاب يصرح كانط بضرورة تبيان المقصد من عنوانه عبارة "الدين في حدود مجرّد العقل" رفعا للبس ودرءا للغموض وللشكوك التي أحاطت بالكتاب . فهـو يلجأ إلى استعمال مجاز هندسي هو مجاز الدائرة كي يصف الدين بدائرتين تشتركان في مـركـز واحـد ( concentrique)،  إحداهما واسعة ، وهي دائرة العقيدة القائمة على الوحي وديانات القصص ، والأخرى ضيقة، وتتضمن النواة العقلية المحضة للدين . يتعلق الأمر إذن بالتمييز بين نوعين من الدين. دين العبادة الخاص باللاهوت، ودين العقل الذي هو مجال اشتغال الفيلسوف . فأطروحة "الدين في حدود مجّرد العقل" تعني لدى كانط أنّ العقل يجرّد الدين من كلّ مضمون تاريخي ، ويجعل منه دينا بـلا وحي ولا عبـادة ولا طـقـوس (37)، إنّه الدين بوصفه فقط "جملة واجبات الإنسان من جهة ما هي أوامر الاهية " (38) .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن إذا كان كانط يصرح بأن الدين في حدود العقل  ليس سوى ما نصت عليه الأخلاق المحضة ، ماذا تبقى حينها من الدين بالمعنى التقني ؟ هو سؤال يطرحه أحد المشتغلين المشهورين على فلسفتي سبينوزا وكانط ،هو يرمياهو يوفال  ( Yovel) الذي يسأل : " لماذا كتب كانط كتابا في الدين إذا كان الدين الحقيقي هو الأخلاق التي يستمدها الإنسان من ماهيته الأصلية التي له بوصفه كائنا حرّا ؟"  ويجيب يوفال بأنّ كانط حينما اشتغل على الدين ، لم يكن يشتغل بتحليل المفاهيم الأخلاقية ، وهي المهنة اللتي انجزها نقد العقل العملي ، إنما كـان هدف كـانط هـو "تغيير عقلية برمتها". يقصد يوفال أنه إذا كان الدين يضيف شيئا جديدا إلى مبادىء الأخلاق ، فإن فلسفة الدين إنما تعدّ النفس من أجل أن تكون هيئةَ استقبال كفيلة بإحتضان المفاهيم الأخلاقية . فاشتغال كانط على الدين هو ضرب من تهذيب الأخلاق نفسها والإرتقاء بها من مستوى علاقة الإنسان بالإنسان إلى مستوى علاقة الإنسان بما هو الإلهي ، أي إضفاء طابع الجلال والقداسة على الأخلاق العقلية المحضة. وفي هذا السباق يقف يوفال عند تعريف كانط الذي يتكرر في كتاب الدين وفي نزاع الكليات أي "الدين هو جملة الواجبات بوصفها أوامر الآلهية ". ويسأل يوفال " لم يستعمل كانط صفة الالهية ويجتنب دوما عبارة الإلـه ؟ " ، ويجيب : إنّ الدين العقلي يعني عند كانط أن نسلك وكأن واجبات العقل هي واجبات مقدّسة وكأنّها واجبات الآلهية". إنّ ما تبقى من الدين التقليدي لدى كانط هو صفة "الإلهية" بدلا عن اسم "الإله" ،  وهي صفة لا تحمل من هنا فصاعدا إلا على العقل وحده(39).&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; هل نقول إنّ كانط إنّما يستعمل الدين هنا استعمالا تنويريا  جذريا ، أو هو يذهب بالتنوير في مجال الدين إلى مداه الأقصى حتى وإن اقتضى به الأمر إلى التضحية بالديانات التاريخية بوصفها خاربة عن حدود العقل ؟ يقول كانط "إنّ دينا يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه" (40) . ولكن متى يخرج دين ماّ عن حدود العقل ؟ متى يعلن دين ماّ الحرب على العقل ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يحصي كانط أربعة تخوم للدين هي بمثابة حدوده القصوى : الحماسة والخرافة والنزعة الإشراقية والقول بالخوارق. وكلها عنده  أشكال من الوهم الديني التي يلقي بها خارج حدود النص وخارج حدود العقل،  فيخصص لنا أربعة تذييلات يختم بها في كلّ مرّة بابا من أبواب الكتاب الأربعة : طوبيقا فلسفية طريفة للفصل بين دين قائم على العقل والحرية ، ودين قائم على الوهم والإستبداد الروحاني . وهي الطوبيقا التي استرعت اهتمام دريدا ومثلت بالنسبة له مدخلا هاما لتفكيك كتـاب الدين(41). ولسان حال دريدا يقول : هل كان كانط نفسه وفيا لكتاب الدين في حدود العقل ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ونحن هنا نسأل : ألا تذكّرنا هذه المعماريات الكانطية في الدين بمعماريات نقد العقل المحض، والحدود الأربعة للدين بالأوهام الجدلية للعقل المحض ؟ إلاّ أن الفرق بين أوهام العقل النظري وأوهام العقل الديني واضح ودقيق عند كانط . إنّه الفرق بين ما يسمّيه "الأفكار المتعالية" ( Idées transcendantales ) التي يدّعيها العقل في مجال الميتافيزيقا ، والأفكار المفارقة ( transcendantes) التي يسقط فيها العقل في مجال الدين في حدود الوهم. وهو تمييز نعثر عليه في الهامش المطوّل لخاتمة الباب الأول. إنّها أفكار تبتدعها الحماسة الدينية لتسديد عجز الإنسان وضعفه أمام شرّه المتجذر فيه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;العقل ضدّ الخرافة ، والنقد ضدّ الحماسة ، والحرية ضدّ الإستبداد الروحاني ، ذلك شعار الحداثة الدينية التي انخرط فيها كانط بعد سبينوزا. ولكن لئن اشترك كانط مع سبينوزا في مشروع تحرير العوام من الخرافة ، فإن ما يفرق بينهما في اعتبار يوفال أمر أساسي : إذا كان سبينوزا يقبل الأناجيل بوصفها موضوع علم وتفسير ، آملا أن يجد فيها براهين ضدّ المؤمنين بها من أجل تحريرهم من الخرافة ، فإن كانط يستغلّ احترام العوام للكتب المقدسة من أجل توجيهه وجهة إخلاقية محضة والإرتقاء بها إلى مستوى الواجب الأخلاقي حيث لا حاجة للإنسان إلى أي عون خارج عن قدراته الأصلية فيه وحريته التي له في تدبير مصيره بنفسه. إضافة إلى أن تأويل الكتب المقدسة أمر خارج عن حدود العقل وعن قدراته لدى كانط.(42)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;II –  أطروحة كانط : الدين من "الشر الجذري"  إلى "جمهورية الفضيلة" :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;تقوم معماريات كتاب الدين في حدود مجرّد العقل على توتر فلسفي ما بين موضوعة الشر الجذري وأفق الجماعة الإتيقية الكونية بوصفها علاجا فلسفيا مأمولا لشر متجذّّر في الطبع البشري.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولئن إحتفل بول ريكور بهذا التوتّر ما بين الشر الجذري ومملكة الربّ مستبصرا فيه هرمينوطيقا فلسفية سعيدة لمسيحيات كانطية يحتضنها ريكور (43) بكلّ حماسة فلسفية ، فإنّ دريدا يرى فيما سمّاه ريكور "مسيحيات كانطية " شروخا مفزعة مدعاة للتفكيك والفضح أكثر من التأويل والحماسة.(44)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;قبل تفكيك هذه المسيحيات الكانطية السعيدة بحسب ريكور أو المفزعة بحسب دريدا ، لنتعرف على ملامحها الأساسية في دلالتها "المحايدة"، كما يعرضها كتاب الدين في حدود مجرّد العقل.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنّ القارىء لهذا الكتاب يمكن له أن يرتسم معالم الحداثة الدينية عند كانط كما يلي : هي حداثة تجد مجالها في الأخلاق المحضة ، وآلتها المتعالية الخالصة في مبدأ الحرية وأفقها الهادي في انسانية كونية افتراضية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يفتتح كانط كتاب الدين على قول في الشر الجذري بوصفه محركا للدين ودافعا للتفكير فيـه في آن (45) . إذ لو كان ما في طبع البشر خيرا خالصا لما احتاج الإنسان إلى واجب يلزمه ولا إلى سيّد يحكمه ولا إلى دين يخضعه. والطريف في المعالجة الكانطية هو أن الشر لديه ذو أصل عقلي صرف. فالشر والعقل والدين ظواهر تتحرّك في مجال واحد هو مجال الأخلاق، أي مجال الحرية بوصفها ماهية الإنسان نفسه. إنه شر جذري لأنه ينبع من حرية الإنسان بوصفها ماهيته الميتافيزيقية المحضة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وفي مقابل الشرّ المتجذّر في الطبيعة البشرية يقوم الخير الأصلي بذرة ميتاقيزيقية محايثة للوجود البشري.  والطريف عند كانط هو أن البحث في الخير في كتاب حول الدين لا يجد مرجعه في الكتب المقدّسة إنّما في حكمة الفلاسفة القدامى. ففي حدود دين العقل المحض الذي يأمل كانط أن يرسم به حدّا للمعرفة من أجل أن يترك مكانا للعقيدة (46)– وأية عقيدة تلك التي لا تترك من العقائد سوى العقل ! - يعود بنا كانط إلى التصور الرواقي للخير في معنى الفضيلة. "الفضيلة" إنّها لعبارة بديعة"، يقـول كانط ، إذ هي تفي بغرض فلسفة تعطي لمفهوم الخير دلالـة "الشجـاعـة، والبـأس (47)" .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;علينا أن نشير إلى أهمية هذه المفاهيم في بناء ضرب من الحداثة الدينية ، فالجـرأة ، والشجاعة والبأس هي لـدى كانط معانى التنويـر نفسه. أليس شعـار التنوير مثلما صاغتـه مقالـة (1784) هو "تشجّـع على استعمـال عقلك" (48) .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وحينما يصبح الإنسان قادرا على الخروج بنفسه من حالة القصور الديني بحسن تدبير الحرية التي له من أجل الهيمنة على الشر الجذري الذي في طبعه ، نتحوّل داخل معماريات الكتاب (الباب 3) ، من مجال الفرد إلى مجال الجماعة الإتيقية الكونية ، حيث يرسم لنا كانط شروط إمكان جمهورية الفضيلة. وهو يميز منذ بداية الباب الثالث من الكتاب بين الحالة الحقوقية المدنية ( un état juridique civil ) التي تقوم على قوانين الحق العمومي، أي عند كانط قوانين الإكراه ( la contrainte ) والحالة الإتيقية المدنية القائمة على قوانين الفضيلة المحضة ، أي على قوانين الحرية. ويستنكر كانط كل محاربة للحرية في مجال الإتيقا : "بئس المشرّع الذي يريد أن يحقّقق ،عن طريق الإكراه ،دستورا ذا غايات إتيقية (49) ».&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنّ الدين الذي يشتغل عليه كانط هنا هو إذن ضرب من الدين العمومي المدني الذي يهدف إلى نوع من التربية الإخلاقية المدنية للإنسان تنقلنا من  "المواطن السلبي " إلى "المواطن النشيط".&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وإن فكرة الجماعة الإتيقية الكونية التي يريدها كانط هي فكـرة كـل إتيقـى ( tout éthique)  ، أو جمهورية بحسب قوانين الفضيلة ، ضدّ كلّ أنواع المؤسسات الدينية التاريخية التي لا يرى فيها كانط غير بؤر للإستبداد الروحاني ولتدمير حرية الإنسان نفسه. وإن ما يسميه كانط بالكنيسة اللاّمرئية ( Eglise invisible ) ليس  سوى فكرة ناظمة أو أفق إستكشافي تخييلي يوجه السلوك البشري نحو تدبير مدني حرّ للفضاء العمومي. وما عدا ذلك فطقوس باطلة قائمة على العبودية والكسل والخوف، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض متى تدبّرنا إقامتنا فيها بكلّ حرية ( را: البـاب الرابـع مـن الكتاب)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن هل إنّ القول بجمهورية للفضيلة ينتمي إلى جنس الأقوال الفلسفية بالمدن الفاضلة ؟ منذ كتاب نقد العقل المحض يقرّ كانط بأن "جمهورية أفلاطون ليست سوى فكرة خيالية في ذهن مفكّر حـالم "(50) . وفي كتاب الدين في حدود مجرّد العقل يحارب كانط كلّ يوطوبيا فلسفية قائمة على الحلم بمجتمع سلم دائمة (51)، وهو يحارب أيضا اليوطوبيا اللاهوتية التي تنتظر نهاية للآلام البشرية من خلال مهدوية منتظرة أو عن طريق فكرة الآخرة. وهو ينقد بعنف فكرة مملكة كونية بوصفها "أفظع الأفكار التي تقضي على الحرية والفضيلة والعلم والذوق"(52) . أمّا في السلم الدائمة ، فيقطع كانط صراحة مع مدينة الحاكم- الفليسوف القائمة على الحلم بالمدينة الفاضلة ، ذلك أنه بالنسبة لكانط : إمّا أن نحكم وإمّا أن نفكّر ، لا يمكن الجمع بينهما، إذ يقول "أن يصير الملوك فلاسفة أو الفلاسفة ملوكا أمر لا ينبغي علينا البتة انتظار وقوعه مثلما لا ينبغي علينا أن نتمنّاه أصلا ، لأن متعة الملك تفسد ضرورة حكم العقل وتشوّه حريته".(53)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;خاتمة : حداثة دينية أم مسيحية فلسفية ؟ كانط أمام أسئلة دريدا&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في نص محاضرة ألقاها دريدا في ملتقى حول الدين في جزيرة كابري الإيطالية (1994) ، نعثر على تفكيكية متكاملة الملامح لكتاب كانط "الدين في حدود مجرد العقل". تفكيكية دريدا تقوم على مبدأ أساسي هو التالي : "ليس هناك أي تنافر بين عودة الديني في أشكاله المختلفة والعقلانية. إن هناك تحالفا عجيبا ما بين العقل الحديث والدين...وكانط قد أسس لهذا التحالف في كتابه الدين في حدود مجرّد العقل (54)" . ويذهب دريدا بنا رأسا إلى ما يعتبره أطروحة الكتاب نفسها : "إن الدين المسيحي هو الدين الأخلاقي الوحيد وإن المسيح هو المثل الأعلى للأخلاق المحضة(55) أيّة قضية هذه التي يحرص كتاب كانط في الدين على إثباتها ؟ "قضية غريبة - يقول دريدا - لكن ينبغي أخذها بعين الجدية في كلّ مقدّماتها".(56)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;كيف يمكن لأطروحة كانط أن تصمد أمام أسئلة دريدا المشكّكة ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إنّ علينا التنبيه إلى أنّ كانط هو الذي أرشدنا إلى هذا الخيط الخطير الرابط بين العقل والدين ، أو بين الحداثة والمسيحية ، وكانط هو الذي يعلّمنا أننا لن نفهم شيئا من الدين مادمنا لا نزال نعارض بحمق ما بين العقل والدين أي ما بين الحداثة التقنية العلمية والدين نفسه. لذلك بدلا من تعارضه مع الدين ، يقرّر العقل النقدي أن يحتضنه أن يحتمله ويفترضه. لذلك أيضا للعقل والدين عند كانط متبع واحد... إنهما أمر واحد وهو معنى اعتبار كانط أن تاريخ الدين هو تاريخ للشر الجذري في وجوهه المختلفة. وقد رأينا كيف كان كانط يجهد نفسه من أجل تعيين أصل عقلي للشر الجذري ، ضدّ الأصل الأسطوري- التاريخي له. فالشر لا ينبع من التاريخ إنما ينبع من العقل أي من الإنسان أي من الحرية. وتاريخ الشر وتاريخ الدين أمر واحد، ماداما يبدءان مع العقل بوصفه جذرا وأصلا في آن معا.&lt;br /&gt;يقول دريدا "هل نحن مهيؤون كي نقيس من دون كلل ضمنيات ونتائج هذه الأطروحة الكانطية. فهذه الأخيرة تبدو قوية وبسيطة ومثيرة للدوار " ؟ (57) - إذا كانت الأخلاق المحضة والدين المسيحي صنوين لا ينفصلان ،فماذا عن الديانات الأخرى إذن ؟ يبدو كانط وكأنّه  يشتغل لحساب الدين المسيحي، وهو حينها يسقط في دائرة العقيدة الدغمائية التي تقوم فلسفته النقدية على محاربتها، أو يخرج عن حدود العقل الذي طالما حرص على تحصينها من كل وهم. يبدو كانط في تفكيكية دريدا إذن وكأنّه لا يفعل إلاّ صياغة مسيحيته الأصلية فيه في لغة العقل الفلسفي. فأيّ حدود للدين حينها وأيّ حدود للعقل ؟ وفيما وراء العقل المسيحي، أليس هناك دين وأخلاق وعقل ؟ هل نحن إذن أمام دين عقلي " في حدود مجرّد العقل"،  أم نحن أمام فلسفة دين في حدود أصولية مسيحية ، قد تتحوّل الى عقلنة جذرية وتبرير خطير لكلّ ما يقع اليوم ضدّ الأصوليات – التي تقترن اليوم في عقل الغرب بالإسلام فقط ؟ - تلك مدعاة إلى بحث آخر(58).&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;هوامش:                         &lt;br /&gt;(1)  - حول علاقة العرب الحاليين بمسألة الحداثة بوصفها قابلة لأن تُتأوّل في ضوء ضرب من  الدهشة الإستطيقية، أنظر : فتحي المسكيني ، الهوية  والزمان، تأويلات فينومينولوجية لمسألة "النحن" ، درا الطليعة بيروت 2001، ص ص 53-61.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(2) – إنّه ضدّ قراءة دريدا "التفكيكية" لفلسفة الدين الكانطية والتي تنتهي إلى أنّ الحداثة هي دينية في معنى كونها نوعا من "التمسيح" ( christianisation) القويّ والنسقي للعالم، نحن سنحاول أن ندافع عن قراءة أخرى وإيجابية لكانط تبيّن أنّه وضع أسس نوع طريف من "الحداثة الدينية". را:&lt;br /&gt; - J. Derrida, "Foi et savoir" in la Religion, Editions du seuil, 1996, pp. 20-21. &lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(3)  - حول مفهوم الشهيد انظر : فتحي المسكيني "حديث القيامة بين الجليل والساائل" ، الفكر العربي المعاصر ، 124-125 ، ص ص 28-29. وحول ظاهرة الإرهاب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;أنظر : فتحي المسكيني، " ما هو الإرهاب؟ نحو مساءلة فلسفية"، ضمن: دراسات عربية، العدد 1-2 ، السنة 34،  نوفمبر /ديسمبر (1997) صص 2-25. وهو المقال الذي يتمتّع بفضيلة السبق في استشكال فلسفي عربي لظاهرة الإرهاب.&lt;br /&gt; وقارن أيضا:  جان بودريار ، "روح الإرهاب" الفكر العربي المعاصر ، 120-121  السنة 2001 ص ص 26-32.&lt;br /&gt;(4) - Gilbert Achcar, Le choc des barbaries, terrorismes et désordre mondial, Editions complexes , Bruxelles , 2002.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(5)  - قارن في هذا السباق : عبد المجيد الشرفي ، الإسلام والحداثة الدار التونسية للنشر ، 19990 ص ص 183-223.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(6)  - في إطار تقليد نقد الدين نشير بخاصة إلى الكتاب المعروف للدكتور صادق جلال العظم ، نقد الفكر الديني ، دار الطليعة، 1968.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(7)  - لا يفوتنا أن نشير هنا إلى الأهمية التي يحتلّها كانط في الفكر الحديث والمعاصر لا بوصفه فحسب فيلسوف الحداثة والتنوير لدى الغرب، بل وخاصة بوصفه قد صار منذ قرن من الزمن لدى مفكّرينا إلى براديغم  يُهتدى به، إنْ في مشاريع قراءات التراث، أو في أفق بلورة رؤية عربية لمجتمعاتنا المدنية الحديثة (أعمال الجابري وأركون بخاصة).&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(8)  - حول خطورة ظاهرة العودة إلى الديني والتباسها انظر  خاصة :                 - J. Derrida, "Foi et savoir", in: la Religion, op. cit. p. 57.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(9)  - هي ثلاث طرق في التعامل مع النصوص إخترعها فلاسفة الغرب المحدثون : نقد الإيديولوجيات الذي يشتغل عليه بعد كانط وماركس ونيتشه، مفكّرو مدرسة فرنكفورت (أدرنو، هو ركايمر، ماركوز ههابرماس). والتأويلية أو الهرمينوطيقا التي إشتغل عليها هيدجر وقادامير وريكور، وأخيرا التفكيكية التي تجد نموذجها في كتابات دريدا. غير أنّنا فضّلنا أن نبقى في حدود مهمة مؤرخ الفلسفة الباحث عن إمكانية قراءة موجبة لنص كانط حول الدين.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(10)  - عبارة محبوبة لدى روّاد الفكر ما بعد الحديث تتردّد خاصة لدى دولوز ودريدا.&lt;br /&gt;(11)  - نشير إلى أن سنة 2004 هي سنة مرور قرنين كاملين على وفاة فيلسوف الأنوار كانط (1724-1804)، ومقالنا هذا هو نوع من إحياء  لذكرى فلسفية عالمية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(12)  - وهي القراءة التي وجدت في أعمال الكانطيين الجدد من قبيل كوهن Cassirer&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; و Cohen نمودجا لها. أنظـــر :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; - Alain Renault, Kant aujourd'hui ,  Paris, Aubier 1997, p. 21 et suiv.                                                (13)  - Heidegger, Kant et le problème de la métaphysique, Paris, Gallimard, 1953.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(14) – W. Benjamin, Le concept de critique esthétique dans le romantisme Allemand, champs Flammarion, 1986.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(15) - G. Delenze, critique et clinique, Paris, Editions minuit, 1993 pp. 40-49.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(16) - Derrida, la vérité dans la peinture, champs Flammarion, 1978, pp. 19-168.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(17) - M. Foucault, les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(18)  - ما تعرفه الثقافة العربية من فلسفة كانط هو بخاصة التراث النقدي، أي تقليد نقد العقل، لكن يبدو أنها لم تقرأ بعد فلسفة الدين لديه، وخاصة كتابه "الدين في حدود مجرّد العقل 1793" الذي نقترح تقديمه إلى الثقافة العربية الحالية ، ربّ كتاب قد يساعدنا على فهم طبيعة الحداثة الغربية القائمة على ضرب من التحالف الإيجابي مع الدين ، وعلى إمكانية حداثة دينية في أفق الثقافة التي تنتمي إليها.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(19)  - وهي طرق اختبرها العقل الفلسفي لدينا إن في جامعاتنا أو في الدراسات والبحوث.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(20)  - كتب كانط هذا الكتاب وهو على مشارف السبعين من عمره ، لذلك كان على عجل في انجازه، وهو ما يشير إليه بنفسه في تصدير  الطبعة الأولى من الكتاب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(21)  - كتاب الدين في حدود العقل لكانط له حكاية كاملة مع الرقابة، حيث صدر مرسوم ملكي في منع كانط من الإشتغال على الدين إثر صدوره ونحن نفترض أنه كتاب اخترع فيه كانط فنّ كتابة خاص بعصر الرقابة، هو الذي يجعله  مخالفا لمشاريع نقد الدين ولمشاريع تأويل الكتب المقدّسة على حدّ سواء.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(22)  - وهي الكتب المشهورة في ثقافتنا، وبخاصة منها : الغزالي، الإقتصاد في الإعتقاد، - إحياء علوم الدين - فضائح الباطنية ، ولابن رشد ، فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(23)  - ونقصد تشخيص كانط لوضع العلوم في السير على الدرب الآمنة، وهو ما نقرأه في تصدير الطبعة الثانية من نقد العقل المحض أنظر:- Kant, critique de la raison pure,  Œuvres philosophiques, I, Paris, Gallimard, 1980, pp 735, 739.   &lt;br /&gt;                                                                  (24) - J. Derrida, « Foi et savoir » in la Religion, op. cit, pp 9-86.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(25) - Kant, critique de la raison pure, in Œuvres philosophiques, I, op. cit. , p. 739-741.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(26) - Leibniz, Essai de théodicée . Sur la bonté de Dieu, la liberté de l’homme et l’origine du mal, Paris, Flammarion, 1969.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(27) - D. Hume, Histoire naturelle de la religion, in : Œuvres philosophiques, t. III traduction française.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(28) - Fichte , Essai d’une critique de toute révélation, Paris, Vrin, 1988.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(29) - Kant, critique de la raison pure, op. cit. 2ème préface.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(30) - Ibid.&lt;br /&gt;(31)  - ابن رشد ، فصل المقال . &lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(32) - Kant, conflit des facultés in Œuvres philosophiques, III, Paris, Gallimard, 1986, p. 807.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(33) - Ibid, p. 808.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(34) - Kant, La Religion dans les limites de la simple raison , in Œuvres philosophiques, III, op. cit, p. 27.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(35) - Jean- Louis Bruch, la philosophie religieuse de Kant, Paris, Aubier, 1968, p. 37&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(36) - Kant, Métaphysique des mœurs, in Œuvres philosophiques, III, op. cit , p. 785.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(37) - Kant, la Religion dans les limites de la simple raison, op. cit, p. 25&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(38) - Kant, conflit des facultés, op. cit, p. 786.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(39) - Y. Yovel, Kant et la philosophie de l’histoire, Paris, Klincksieck, 1989, p. 168.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(40) - Kant, la Religion dans les limites de la simple raison, op. cit. p. 23.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(41) - Derrida, « Foi et savoir », op. cit, p. 22.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(42) - Y Yovel, op. cit. p. 176.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(43) - P. Ricoeur, Lectures 3, Aux frontières de la philosophie, Seuil, 1994, pp. 19-39.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;- أنظر مقالنا الذي خصّصناه لمناقشة قراءة ريكور لكتاب كانط في الدين تحت عنوان "كانط والتأويلية". الفكر العربي المعاصر، 120-121 ص ص 41-47.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(44) - J. Derrida, op. cit.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(45)  - "في الشر الجذري" هو عنوان الباب الأول من كتاب  الدين في حدود مجرّد العقل، أمر أحرح تأويلية ريكور وتفكيكية دريدا على حدّ سواء : فإذا كان ريكور يقول بأن الدين علاج للشرّ الجذري، فإن دريدا يذهب إلى أن تاريخ الشر وتاريخ الدين وتاريخ العقل أمر واحد، فبدلا عن احتفالية تأويلية بالدين ، ينبغي أن نفكّر بتفكيكية لأكثر ثقوبه إثارة للفزع الفكري.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(46) - Kant, critique de la raison pure, op. cit, p. 748.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(47) - Kant, la Religion dans les limites de la simple raison, op. cit, p. 71.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(48) - Kant, Réponse à la question : Qu’est-ce que les lumières ? in œuvres philosophiques II, Paris, Gallimard, 1985, p. 209&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(49) - Kant, la Religion dans les limites de la simple raison, op. cit, p. 116.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(50) - Kant, critique de la raison pure, op. cit.  p. 1028&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(51) - Kant, la Religion , op. cit.  p. 48.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(52) – Ibid.  p. 47.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(53) - Kant, projet de paix perpétuelle, in œuvres philosophiques III, op. cit. p. 364.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(54) - Derrida, op. cit. p. 20&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(55) - Kant, la Religion… Op. cit, pp 69,77, 171.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(56) - Derrida, op. cit, p. 18.&lt;br /&gt;(57) - Ibid, p. 19.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;(58)  - علينا أن نتساءل:  أين الإسلام من هذه الحداثة الدينية التي بشّر بها كانط والتي آثارت استياء دريدا ضدّّ إحتفالية ريكور ؟ إنّ القارىء لكتاب الدين في حدود مجرّد العقل يحصي أربعة مواضع يعبّر فيها فيلسوف التنوير عن موقفه من الإسلام. أنه يميز بين المحمّديين أو أتباع محمّد والديانة الإسلامية، والإسلام نفسه والطقوس الإسلامية. أمّا عن أتباع محمّد فهم يثيرون إعجاب كانط الفلسفي لأنهم "عرفوا كيف يضفون على وصفهم لجنتهم ، دلالة روحية خالصة" (ص 135 من الكتاب). - أمّا عن الديانة الإسلامية فتبدو في نظر كانط مستجيبة للشروط الأخلاقية التي يقوم عليها الدين الحق. ذلك أن مملكة الربّ الحقة لا تقوم عنده على مهدوية منتظرة وإنما على عقد أخلاقي في حدود مجرّد العقل، ويبدو أن الإسلام حسب كانط، و إلى جانب المسيحية، دين يستجيب إلى فكرة العقد الأخلاقي، في حين تقوم اليهودية مثلا على فكرة سياسية (ص 167). وأمّا عن الإسلام في جوهره فيتميز عند كانط "بالكبرياء والشجاعة" . ذلك أن المسلمين بدلا عن انسياق وراء الخوارق لدعم عقائدهم، إنما نراهم فعلوا ذلك عن طريق الإنتصارات واخضاع شعوب أخرى. فكل ممارساتهم قوامها الشجاعة" (ص 221). وأخير فيما يخص الطقوس الإسلامية فهي لا تمثل استثناء في نقد كانط لأشكال الوهم الديني القائمة على الصنمية والتقديس الأعمى بدلا عن عقيدة أخلاقية محضة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-5611951800061508957?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/5611951800061508957/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_2113.html#comment-form' title='1 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5611951800061508957'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5611951800061508957'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_2113.html' title='كــانط و الحــداثه الدينيـــه ....'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>1</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-6953353375833119280</id><published>2010-04-12T01:03:00.001+03:00</published><updated>2010-04-12T01:09:18.529+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>صراع الأكاديميين و المثقفين على الواقع  ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;br /&gt;صراع المثقفيـن والأكاديميـن على المـواقع&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;إبراهيم البليهي&lt;/span&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;نحن في المجتمعات العربية لا نعطي أي اهتمام لتشييد الضمير وبناء الأخلاق الحضارية ذات الأفق الإنساني الفسيح التي تخرج بالفرد من قوقعة ذاته وتضعه أمام مسؤولياته وتخلق فيه إحساساً حاداً بواجب المشاركة في البناء وإنما نركّز في التعليم على إعطاء المعلومات أما الأخلاق فهي عدد لا يحصى من الأوامر والنواهي التي تقوم على التخويف فلا يكون السلوك منساباً من الضمير الحسَّاس وإنما بدافع الخوف فيبقى الإنسان أنانياً ولا يتجاوز طفولته مهما طال عمره ومهما استوعب من معلومات كما أن الناس في هذه البيئات البائسة أخلاقياً يسيغون السلوك الانتهازي حيث ينال الانتهازيون مكانة لا يستحقونها فالمهم أن يتلاءم الفرد مع الوضع السائد..&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إننا لم نتفهَّم بعد بأن التربية أهم من المعلومات وبأن المجتمعات المزدهرة في العالم لم تحقّق ازدهارها بثقافة الخوف والتنافر والتحاسد وإنما ازدهرت حين تربى أفرادها واعتادوا وتبرمجوا على تكامل الجهود وتبادل الاعتراف والتعامل باحترام وإنصاف والنظر بموضوعية فيصير هذا السلوك تلقائياً بحكم الاعتياد والتبرمج وكما يقول أوفر ستريت في كتابه (العقل الناضج): "إن مصيرنا الحقيقي كأفراد هو أن نشبَّ عما درجنا عليه في طفولتنا من حب للذات وتركيز عليها لندخل في مرحلة النضج الاجتماعي الذي يركز على المجتمع ويهتم به" لكن هذا النضج العقلي والنفسي والأخلاقي والاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا في بيئة تعددية ومنفتحة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وهو الشرط الذي تحقق في المجتمعات المزدهرة فهذا الانفتاح هو سبب النضج وهو بوابة الخروج من كهف الذاتية المغلقة وهو العامل الأول في بناء الازدهار لذلك فإن التنافس في المجتمعات المتحضّرة ليس هدماً للناجحين ولكنه سباق إلى المزيد من النجاح فلا يحاولون إزهاق أي إنجاز من أي فرد جاء وإنما يعتبرون كل إنجاز من أي إنسان هو إضافة إلى مكاسب الأمة بأجمعها ولذلك فإن المنافسين لا يحاولون إسقاط الناجح و لا إزهاق العمل المنجز وإنما يفتخرون بالمبدعين من كافة الحقول ويُغدقون عليهم الثناء والإعجاب أما علاقة المبدعين أنفسهم فيما بينهم فإن كل واحد منهم يسعى إلى تحقيق إنجاز أفضل والتوصل إلى نجاح أتم ولا يتردد المبدع عن الاعتراف بالفضل لأهله وإظهار الإعجاب بهم والاحترام لهم كما أنه لا ينتظر منهم الكمال فهو مثلهم مغمور بالنقص فيمجد مزاياهم ويتغاضى عن نقائصهم فهو لا يدعي الكمال لنفسه ولا يتوقعه من غيره وهذه الرؤية الواقعية والتعامل المنصف والتكامل الناضج من أهم شروط الازدهار لأن الازدهار يتطلب تتابع الانجازات وتكامل الجهود فالحضارة المزدهرة هي حصيلة تراكم وتجمّع مفردات الفكر والفعل أما في المجتمعات العربية والمتخلفة عموماً فإن الحاصل هو تبادل الهدم وليس تكامل الجهد ولا تبادل الإعجاب والاحترام..&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إننا نحن العرب مشغولون بذواتنا ومتمحورون حول أنفسنا وهذا التمركز يصرفنا عن إدراك أن نجاح كل فرد هو نجاحٌ للجميع لأنه لا يمكن أن يشيع الاهتمام بالإبداع والاحترام للمبدعين إلا إذا كثروا وتعاضدوا وروَّج بعضهم لبعض وأشاد بعضهم ببعض وأنصف بعضهم بعضاً ودافع بعضهم عن بعض إن التأثير الإيجابي للمثقفين يتطلب أن يتكاتفوا وأن يكوّنوا تياراً زاخراً مكتظاً بالمبدعين والمتأثّرين فالناس لا يرتادون سوى الأسواق المكتظة ويُعرضون عن المحال المنعزلة إن المنفرد أو الناشر عن المجموع ينبذه الناس أو لا يأبهون به وليس بإمكانه أن يؤثّر بالآخرين مهما بلغ من النصاعة والمعرفة والإخلاص والوضوح لذلك لم ينجح المثقفون العرب في التأثير على المجتمعات العربية ولم يكن لهم قبول لأنهم يعملون فرادى ويتنافسون ويتحاسدون فيما بينهم وينقض بعضهم قول بعض ويهوِّن من شأنه ويستخف به فيستأثر بالخطوة الذين يسايرون السائد ويرسّخون المألوف فالرواج يتطلب وجود بيئة زاخرة والطلب يزداد بمقدار زيادة العرض كما أن العرض تتولد منه زيادة الطلب في عملية جدلية متنامية لذلك لابد أن تُجرى مراجعة شاملة لقيمنا وللعلاقات القائمة بيننا فنرتقي باهتماماتنا ونرتفع بمستوى تعاملنا وأخلاقنا فيكون همنا جميعا مصلحة الأمة وأن نجعل مصلحة الذات تابعة للمصلحة العامة وليس العكس كما أنه من الضروري جداً أن تتكوَّن فينا ملكة التذوق لأعمال الآخرين فنتحرر من أغلال الذات وأوهامها وننطلق إلى حقائق الوجود والواقع ونخرج من كهف الأنانية الفجة إلى رحابة الإنسانية بكل الاتساع والعمق والتنوع..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن المجتمعات العربية تعاني من الهدم المتبادل بين الأفراد والمؤسسات فكل فرد وكل طرف يريد أن يكون هو وحده في الميدان ويغيظه بروز أية مؤسسة أخرى أو أي إنسان آخر وهذه الظاهرة القبيحة من أبرز ظواهر الطفولة الثقافية ومن أعمق أسباب التخلف الحضاري، فالمبدع لن تكون له قيمة ولا لإبداعه رواج إلا إذا كانت البيئة كلها زاخرة بالإبداع والمبدعين ومليئة بالقارئين والمتابعين والمهتمين الذين يتذوقون الإبداع ويهتمون به وإلا فسيكون المبدع كالمنادي في القفر لا يسمعه أحد ولا يهتم به أحد ولا يستجيب له أحد..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن من يتأمل علاقات الناس في المجتمعات العربية يجد أنها متوترة ويشوبها الشك لأنها تقوم على الإخفاء والغمغمة وعدم الوضوح وتتسم بالتنافس الغادر والصراع الحاد والعداوة الشرسة والحسد الدنيء وتبادل الكره الغليظ ويعود هذا السقوط الشنيع إلى شيوع ورسوخ البؤس الأخلاقي فالناس يتحدثون بمثاليات عظيمة لكنهم في الغالب لم يمارسوها في حياتهم بل اعتادوا بالمعايشة والممارسة أن هذه المشاحنات البئيسة هي ذاتها المثاليات العظيمة التي يلوكون الحديث عنها ليل نهار في المنابر والمجالس والمدارس وهنا تتضاعف المأساة حيث يعتاد الناس مع التكرار وتشرُّب المضامين المقلوبة بأن الظلم هو العدل وأن الأثرة هي الإيثار وأن التنافر هو التآلف وأن القطيعة هي التآخي وأن الكره هو الحب إن القيم العظيمة ينقلب معناها بالممارسة المقلوبة فاللغة لا تكتسب معناها إلا بأن يعايشها الفرد واقعاً يومياً حياً في مجتمعه وأن يعيشها هو نفسه في فكره وسلوكه اليومي فالألفاظ بذاتها لا تدل على المعاني لأن المعنى الواحد يعبَّر عنه في آلاف اللغات بمئات الأشكال والألفاظ المختلفة فلا يكتسب اللفظ معناه إلا بمعايشة هذا المعنى في الحياة اليومية والتعود عليه..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولم يقتصر البؤس الأخلاقي في المجتمعات العربية على عامة الناس وإنما هي مأساة عامة فالمثقفون في حالات التنافس يحاربون زملاءهم المثقفين والأكاديميون يحاربون زملاءهم الأكاديميين بأساليب منحطة وتصرفات غير لائقة من أجل تفاهات إدارية مثل العمادة أو الوكالة أو رئاسة الأقسام أو نحو ذلك من الرغبات التافهة التي لا تستحق مثل هذا العراك والمنافرة لذلك تتكرر الشكوى من بعض الأكاديميين والمثقفين أنفسهم الذين يؤكدون أن الكثيرين منهم يتبادلون الهدم بكل شراسة بدلاً من أن يكونوا متكاتفين يكمل بعضهم بعضاً ويُسند بعضهم بعضاً فالأكاديمي أو المثقف يكون أحياناً أول من يبادر للإجهاز على زميله وإسقاط السُلَّم الذي يحمله بالدس والغدر أو بالعلن والجهر..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن رجال الفكر والعلم يمثلون نخبة المجتمع وهم قدوته وهم قيادته المعرفية وهم نموذجه الأخلاقي فإذا رآهم المراقبون والدارسون منشغلين بالصراع على هذه التفاهات فإنهم سوف يتشرّبون روح الصراع منهم ويتقولبون بالقيم التي يتصارعون من أجلها وهذه الظاهرة من الهدم المتبادل بين الأكاديميين والمثقفين تؤكد أن العلم بدون يقظة الضمير يكون ضرره شديداً وربما أكثر من نفعه إن المعرفة قدرة لكن القدرة قد تكون هدّامة ما لم تتهذب بالأخلاق وترتقي بالضمير ويرتفع معها مستوى الإحساس بالمسؤولية فالعلم وسيلة للبناء أو للهدم أما الاستخدام الأفضل أو الأسوأ لهذه الوسيلة فمرتبط بمنظومة القيم المعاشة أما القيم غير المعاشة فلا تأثير لها على سلوك الناس ولا على تفكيرهم مهما بلغت من العظمة ومهما كرر الناس ذكرها أو التذكير بها فلا بد من المعايشة والاعتياد أما الأقوال وحدها فلا تأثير لها على حياة الناس..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولأن المقال عن أنانية المثقفين والأكاديميين وصراعهم حول المكاسب الشخصية وانشغالهم بذلك عن المصلحة العامة لذلك سوف اعتمد على شهادات المثقفين والأكاديميين أنفسهم ونبدأ بالدكتور زكي نجيب محمود فهو كما هو معلوم يأتي في طليعة المثقفين كما أنه من أعرق الأكاديميين وهو رحمه الله كان يشكو مر الشكوى من ظاهرة الهدم المتبادل بين الأكاديميين والمثقفين فحين بلغت الحرب الأهلية في لبنان ذروة اشتعالها كتب مقالاً باكياً عن هذه الظاهرة وأعاد نشره في كتابه (مجتمع جديد أو الكارثة) ليعلن أنه لم يستغرب أن تشتد الفتنة في لبنان بل الغريب أن يقام البناء الاجتماعي والثقافي على جرف هار ثم لا ينهار ثم يقول: "انتقلت بي الخواطر من الصراع في لبنان إلى صراعات مكتومة حينا معلنة حيناً آخر بين الناس في مصر فلقد يخدعك الظاهر الهادئ هنا أو هناك حتى إذا ما أزلت القشرة الخارجية الرقيقة وجدت ناراً تستعر من الغيرة والحسد والضرب في الخفاء ويكفيني هنا وقفة قصيرة عند جماعة كان المنتظر أن تكون مضرب المثل بين سائر الجماعات بسبب ما ظفرت به من تربية طويلة وتحصيل وفير ألا وهي جماعة العلماء في جامعاتنا ولن أبيح لنفسي هنا أو في أي مكان آخر أن أذكر للقارئ تفصيلات لو ذكرتها لاقشعر منه البدن ولكني أقول هنا ما يقتضيه سياق الحديث وأكتفي وهو أن بعضهم يحارب بعضهم حتى لا يرتفع لأحد رأس" فتحاسد الأكاديميين والمثقفين وصراعهم على المناصب الإدارية أو المكانة الاجتماعية أو على الشهرة وخذلان بعضهم بعضاً في الأزمات كان أحد أسباب تهميشهم جميعا والاستهانة بهم فهم لا يعملون متضامنين وإنما كل فرد يريد أن يستحوذ هو وحده على كل الاهتمام وأن ينال وحده أرفع المناصب وإذا نال المنصب صار يبعد ويقرّب حسب درجة الولاء وليس بمعيار الكفاءة فينصرف الجميع إلى الصراع فالمبعدون يشعرون بالغبن حقيقة أو توهّما فيحاولون إفشال الذين أخذوا المواقع أما المقرّبون فيميلون الى التزلف والتحذلق فتستعر الوشايات وتضخم الخلافات ويصبح المكان أشبه بساحة الحرب فيشيع التربص ويسود الإخفاء وتشتد الرغبة في الانتقام وتمتلئ النفوس بالكراهية..&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن المفكر الكبير الدكتور زكي نجيب محمود في نصه السابق يشير الى ان بشاعة الحرب بين الأكاديميين قد اصطبغت بدناءة فظيعة تقشعر لها الأبدان ويعفّ عنها اللسان فهو يترفع عن ذكرها لأن فيها من الخزي والشناعة والهوان والسقوط ما لا يجوز التفوه به ومن البداهة أن هذه الحرب السخيفة تؤدي إلى انحطاط الأخلاق وترسيخ الذل وإشاعة الامتثال الأعمى والقبول الأخرس ليس فقط بين عامة الناس وإنما بين النخبة من رجال الفكر والعلم حتى لا يرتفع لأحد منهم رأس!! فإذا كانت الوشايات والمكائد والتزلف والخنوع وقبول الهوان والاستسلام والامتثال والطاعة العمياء حسب هذه السلوكيات صفات شائعة بين المثقفين والأكاديميين ورجال العلم فكيف تكون حال الطلاب الذين هم في طور التكوين وماذا يراد من العامة أن يكونوا في بيئة اجتماعية يتصارع فيها المثقفون ورجال العلم وقدوة الناس على المكاسب الشخصية والهامشية ويضحّون بالمصالح العامة..؟!!&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ويؤكد الدكتور زكي نجيب محمود ان هذا المستوى المشين من التعامل ليس سلوكاً عابراً ولا نادراً وإنما هو السلوك السائد حتى في مؤسسات العلم مما أدى الى هبوط المستويات الجامعية في العلم والأخلاق فيقول: "ليست القاعدة بين أساتذتنا الأجلاء هي أن يتعاونوا على علم بل القاعدة هي أن يتنافروا على حساب العلم وأخف الأسلحة التي يتقاتلون بها وأرحمها هو سلاح التجاهل وغض النظر وإقامة السدود على الطريق أمام السائرين" أي أن الاهتمام بالأداء العلمي والالتزام بالعدل والحق والموضوعية هو السلوك النادر أما القاعدة الشائعة فهي الدسائس والوقيعة والتشويه والتنافر والتجاهل وخلق العوائق أمام المتميزين وافتراء التُّهم ضدهم واشغالهم بالدفاع عن أنفسهم ودفعهم إلى الانزواء وإيثار السلامة..&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإذا كان الأكاديميون والمثقفون يسقطون إلى هذا الدرك الأسفل في السلوك والتعامل والعراك على المكاسب الشخصية فإن هذا شاهدٌ صارخ على أن البيئة الثقافية والاجتماعية موبوءة وأنها تعاني من الخواء الأخلاقي وعن ذلك يقول الدكتور زكي نجيب محمود: "وإنما ضربتُ المثل بمجموعة يُظن أنها من سكان القمم" ليؤكد بأن الصراع غير الأخلاقي بين الأكاديميين والمثقفين العرب هو امتدادٌ للصراع العنيف بين الأسر والفئات والجماعات والانتماءات في القرى والمدن والأقاليم فيقول: "إنه ليطول بي الحديث لو سرت مع خواطري لأنها خواطر قد أخذت تنقلني من أسرة هنا إلى أسرة هناك: الخصومة بين أفرادها تأكل قلوبهم أكلاً وتنهش عظامهم كما أخذت خواطري تلك تقدّم لي مشاهد الخديعة والغش والإيقاع بالأبرياء" إن عراك الأكاديميين والمثقفين والإداريين حول المناصب والمكاسب الشخصية كانت له نتائج مدمّرة على الأخلاق وعلى البناء المعرفي والفكري والنفسي وعلى حركة المجتمع واتجاهاته وهو ينحطُّ بمستوى التعليم وينحرف باهتمامات العاملين في مجالات المعرفة وفي المؤسسات والمشروعات الاستراتيجية نجد مصداق ذلك في المآسي المخزية التي تحدّث عنها الدكتور فتحي البديوي في كتابه (عالم النواة وبداية عصرها في مصر) وكيف أن الصراع على المناصب قد أضاع الفرصة على مصر حيث كان بإمكانها إحراز تقدم كبير في المجال النووي لولا التنافس الأناني الانتهازي الأحمق بين العاملين في المؤسسة الذرية ويقارن بين ما حققته الهند من إنجازات باهرة في هذا المجال وكما يقول: "تمكنت الهند في سنوات قليلة من دخول النادي الذري العالمي بإنتاجها مفاعلاً لتوليد الكهرباء عام 1962م تلاه خمسة مفاعلات أخرى عام 1985كما أصبحت الهند بتفجير قنبلتها الذرية عام 1974الدولة السادسة في عضوية النادي الذري بعد أمريكا وروسيا وانجلترا وفرنسا والصين" ويستعرض هذا العالم المحبط نماذج من الوشايات والإقصاء والتقاتل الشرس على المواقع ليؤكد الانشغال بالمظاهر والشكليات والاستغراق في العراكات الشخصية ويقول عن رئيس هذا المشروع الاستراتيجي بأنه عديم الكفاءة وضعيف التكوين العلمي وضحل الخبرة لذلك كان اعتماده كما يقول على: "سياسة فرّق تسد التي اتبعها بين قيادات المؤسسة وشباب الباحثين فهزَّ كيان المشرف العلمي وقيَّد حريته وأشاع ضعف مستواه العلمي ليحرمه من ثقة مرؤوسيه واحترامهم وأصر على إطلاق الإداريين فحرّم اتصال رؤساء الأقسام والعلميين عموماً بأية شركات بالخارج لطلب عروض عن الأجهزة اللازمة لهم ونقل هذه المهمة إلى ادارة التوريدات ونتج عن عدم دراية القائمين بها وعدم إلمامهم بالمواصفات العلمية العديد من الخلط والقصور وتعطيل الأمور" ويذكّر البديوي بآلام الإحباط التي أصابت العالم الدكتور علي مصطفى مشرفة رائد الفيزياء النظرية بمصر وكيف أنه مات غماً وهو في الثانية والخمسين حينما حُرم من حقه وقدّم عليه من هو دونه: "فأصابته الكآبة ولازمه الحزن حتى داهمه الموت" وهكذا لا تبقى أضرار هذه الصراعات الأنانية السخيفة محصورة بالأفراد العاملين في نفس المؤسسات محل الصراع وإنما يتضرر الوطن كله أضراراً كبرى وتخسر الأمة كلها خسائر فادحة..&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن غيرة الإنسان العربي من كل الناس تدل على أنه يشيخ وهو مازال في مرحلة الطفولة فهو يريد أن ينفرد وحده بالاهتمام والمكانة شأنه شأن الطفل الذي يريد لنفسه كل شيء ولا يرضى أن ينال الأطفال الآخرون أي شيء بينما أن الحياة الناجحة كما يقول علماء النفس: "تتطلب من الإنسان أن يحقق قدراً من النضج وتستلزم أن يقلع عما درج عليه في طفولته من اهتمام بذاته دون غيرها فالحياة الفجة التي لا يتسع فيها الخيال لرغبات الآخرين وحاجاتهم والدافع الرئيسي لمثل هذه الحياة الفجة هو المصالح الشخصية بأضيق معانيها وبكل ما فيها من قوة وإلحاح" ولكن هذا المطلب الضروري يغيب في المجتمعات العربية ليس فقط عن تفكير وسلوك عامة الناس وإنما نجد كبار قادة الفكر يفتقرون إليه فالكل يعرف بأن العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم كانوا أبرز المثقفين العرب في النصف الأول من القرن العشرين ولكن أنيس منصور يشهد بوضوح ومرارة أن هولاء القمم الفكرية كانوا لا يطيقون أن يشاركهم أحد وكان كل واحد منهم يستخف بمنافسيه ولا يعترف لهم بأي تميّز وبهذا نعرف فداحة البؤس الأخلاقي وندرك مقدار الظلم الفادح الذي يلحقه نوابغ العرب في بعضهم مما حرم المجتمع من الاستنارة حيث يؤكد أنيس منصور أن هؤلاء البارزين كانوا عاجزين عن تبادل الاحترام أو الاعتراف ففي كتابه (عاشوا في حياتي) كتب يقول: "جمعت العقاد وطه حسين والحكيم على خط تلفوني واحد أسأل الواحد ثم أعود فأسأل الثاني وأسأل الثالث عن رأيه في الاثنين ومن هذا الحديث عرفت كم هي شاسعة المسافة بين هؤلاء المتعاصرين وكيف أن الحب والاحترام والتقدير مفقود بينهم جميعاً فكلّ منهم ينظر إلى الآخر من فوق من بعيد فيراه صغيراً جداً فهم جميعاً يمثلون قوى متنافرة" فإذا كان مثل هؤلاء القمم الفكرية يغمطون نظراءهم ويبخسونهم حقهم ويحاولون التقليل من شأنهم وينفّرون الناس عنهم ولا يعترفون لهم بتميزهم فإن من دونهم سيكونون أكثر جحوداً وأشد تجاهلاً وأقل إنصافاً واعترافاً وأبعد عن الإعجاب والاحترام فالعربي لا يستمتع بالتعرّف على مزايا النابهين وإنما يحسدهم ويحقد عليهم وينفر منهم ويبخسهم.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;      &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-6953353375833119280?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/6953353375833119280/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_9445.html#comment-form' title='3 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6953353375833119280'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6953353375833119280'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_9445.html' title='صراع الأكاديميين و المثقفين على الواقع  ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>3</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-1890321006368250563</id><published>2010-04-12T00:56:00.001+03:00</published><updated>2010-04-12T01:01:45.794+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>سلطة العوام أحد منابع الجهل و الظلم و التخلف ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;br /&gt;سلطة العوام أحد منابع الجهل والظلم والتخلف&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;إبراهيم البليهي&lt;/span&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لا تستنير عقول العوام بعض الاستنارة ولا يتحسن مستوى الإدراك لديهم ويكونون مؤهلين لاتخاذ مواقف متوازنة في القضايا العامة تقوم على الاختيار الحر ويكون في مواقفهم شيء من المعقولية والاتساق إلا إذا عاشوا في مناخ ثقافي مفتوح وأتيح لهم الاستماع إلى مختلف التيارات الفكرية والثقافية أما إذا عاشوا في بيئة ثقافية مغلقة قائمة على الرؤية الحدية القاطعة فإن تدخلهم في الأمور العامة يصبح خطراً شديداً على المجتمع لأنه يمنح الجهل المركَّب سلطة على الفكر الرصين والعلم الدقيق والمعرفة الممحصة ويقلبُ معادلة القيادة والانقياد فيصبح من هو أهل للقيادة الفكرية والعلمية مقوداً ويصير غيرُ المؤهَّل قائداً فتتكوَّن بهذا الخلل المزدوج عوائق خانقة أمام مسيرة الفكر والعلم والتقدم فالحياة الفكرية والثقافية والعلمية والاجتماعية لايمكن أن تستقيم إلا إذا كان العوام يصغون ويستجيبون للمخلصين من أهل العلم والفكر والرأي السديد فالعوام يجب أن ينقادوا لا أن يقودوا فإذا انعكس هذا الوضع فإن التدهور في كافة مناشط الحياة هو الحالة الحتمية التي تؤول إليها الأمور..إن العوام ليسوا فقط الأميين الذين لا يُحسنون القراءة والكتابة وإنما العوام هم الذين يحكمون على قضايا لا يعرفون عنها ما يؤهلهم للحكم فيها ويشغبون على من يملك المعرفة الممحَّصة والرؤية المعمَّقة فيُحجم اضطراراً عن تعرية هذا الجهل فلا يجرؤ أن يقول ما يرى أنه الحق والصواب خوفاً من سلطة العوام وما تؤدي إليه مخالفتهم من تشويه السمعة وفقدان المكانة وربما قطْع مصدر الرزق فحين يضطر الأعلم أن يُخفي أفكاره وآراءه ومواقفه أمام الأقل علماً والأضعف اهتماماً فإن في هذا هزيمة للعلم وانتصاراً للجهل وانسداداً للآفاق وقلباً لمنطق التعليم والتعلم..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن تاريخ الحضارة يشهد أن الازدهار الثقافي وما ينتج عنه من تقدُّم في كافة المجالات لم يتحقق لأي شعب إلا بالتفاعل المتوازن بين الانتظام والاقتحام وبين التقليد والتجديد وبين الاتباع والإبداع وكلما تطور المجتمع ازدادت الأمور فيه تعقيداً وتطلَّبَتْ مستويات أرفع من المنهجية الصارمة والعلم الدقيق والفكر الرصين والرؤية النافذة..إن القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية والعلمية تتطلب قدرات استثنائية لا تتوفر بالولادة مهما بلغ الذكاء وإنما تتكوّن بتنظيم الفكر وتركيز الجهد ومواصلة العمل لأنها مكتسبة وليست موروثة كما أنها ذات عناصر متنوعة ومتداخلة ومتشابكة ولا يصح الحكم فيها ارتجالاً أو بدون تأهيل استثنائي يقوم على الاهتمام القوي المستغرق والبحث العميق الموسَّع ولا يكفي الاهتمام الشديد والمتابعة المثابرة وحدهما وإنما لابد أن يملك الباحث الأدوات المعرفية التي تؤهله لهذه المسؤولية الباهظة وأن يستخدم هذه الأدوات بمنتهى الدقة والعناية وأن يؤدي هذه المهمة الكبيرة بأقصى درجات الإحساس بالمسؤولية وأن يتوفر لديه الاقتناع بأنه قد توصَّل إلى رؤية سليمة تعتمد على الحقائق وقابلة للتنفيذ وتترجَّح احتمالات نفعها وملاءمتها للحالة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ومن البداهة أن الأمور العامة في جوانبها الدينية والفكرية والتعليمية والاجتماعية و السياسية والثقافية هي أمور شديدة التركيب والتعقيد وعناصرها بالغة الدقة والتنوع والتشابك والغموض فلا يمكن ادراكها ارتجالاً أو من رؤية تعتمد على ثقافة المشافهة وإنما لابد من الاهتمام القوي المستغرق المصحوب بمعرفة واسعة وعميقة مع توفر الوسائل والإمكانات إضافة إلى القدرة على الاستخلاص والاسنتاج وهذه الشروط الضرورية لا يمكن أن تتحقق للعوام بل ولا للباحثين المتسرعين أو ذوي النظرة الجزئية وإنما تتطلب رؤية تكاملية معمَّقة قائمة على الكثير من الاهتمام والخبرة والعناء والاستقصاء وإمعان النظر ومعاودة التروي وتكرار المداولة مع الاستعداد الدائم للمراجعة والتصحيح وهي شروط دقيقة وصارمة لا تتوفر في العوام ولكن العوام في مجتمعنا لهم تأثير شديد على الفكر والثقافة والعلم والتعليم والأدب ووسائل الإعلام وقنوات التواصل ويمتد تأثيرهم إلى كل مجالات الدعوة والتوجيه وإلى جميع وسائل الاتصال وأدوات التأثير فللعوام عندنا سلطة قامعة ولصوتهم جلجلة مرعبة يخشاها كل من يكتب أو يحاضر أو يتحدث أو يفتي حتى الأساتذة الجامعيين والمعلمين في المدارس يتوجسون من طلابهم ولو كانوا هم معروفين بالاستقامة والبعد عن الشبهات لذلك يتحاشون الكلام عما لم يألفه تلامذتهم خشية اساءة الفهم لأن إساءة فهم كلمة واحدة كافية للتخوين والوصم بالانحراف وتفاقم القيل والقال وتنامي الشائعات.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الجهل المركَّب لا يمكن أن يتزحزح وان الأفكار الخاطئة لا يمكن أن تُصحَّح مادام أن أهل الفكر والعلم والمعرفة لا يملكون القدرة ولا الجرأة على الجهر بأفكارهم وآرائهم ومواقفهم واستنتاجاتهم وتقييمهم للأمور ولا يجرأ المعلمون والأساتذة والمربون على مواجهة تلامذتهم بالحقائق.. فالطلاب في هذا الجو الثقافي المشحون بالتوجس هم الذين يحددون مساحة القول المتاح للمعلمين والأساتذة والمربين ومادام الوضع كذلك فلابد أن يؤدي إلى سيادة الجهل والانتكاس الشديد للمعارف الممحَّصة فهذا الحصار الفكري قَلَبَ منطق التعليم والتعلُّم فأصبح الأستاذ يذعن للطالب ويخافه ويسايره ويتودَّد إليه بدلاً من أن يربيه ويعلّمه وينمي قدراته ويصحح مفاهيمه وبات الطالب معلّماً لأستاذه يهدده ويخيفه بدلاً من أن يتعلم منه ويستجيب له حتى الآباء والأمهات صار أطفالهم يواجهونهم بالتوبيخ والتوجيه والإدانة على أي تصرف لم يألفوه لأنهم بُرمجوا على أولوية الإنكار..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الجهل البسيط هو الحالة الطبيعية للإنسان ويزول هذا الجهل شيئاً فشيئاً بالتعلم ولا يضر الإنسان أن يجهل الكثير من الأشياء بل إنه لابد أن يجهل فمعرفة الفرد مهما تعلَّم تبقى محدودة لكن الإعضال الحقيقي في الجهل المركَّب لأن الفرد لا يتعرَّف على هذا الجهل بل يتوهمه علماً كما هو شأن العوام وهذا الجهل المعقَّد هو الذي يمتصه عقل الفرد امتصاصاً تلقائياً من الثقافة السائدة دون إخضاعه لأي فحص أو مراجعة أو تحليل فيصوغ عقله ومواقفه واتجاهاته ويبقى أبداً واثقاً وثوقاً مطلقاً بما صيغ به ويرفض الفرد في الثقافات المغلقة التي تحتكر منافذ الفكر أيَّ رأي لا يتفق حرفياً مع ما تشرَّبته نفسه ومن هنا يأتي الخطر لأننا هنا أمام مواقف عمياء وطوفان جارف..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن ثقافة العوام الوثوقية تقوم على التوارث والامتصاص التلقائي والمشافهة فمن البداهة ألا يملك العوام رؤية صحيحة عن القضايا المعقدة التي تتوقف صحة الرؤية فيها على المعرفة الممحَّصة والاهتمام القوي المستغرق أما إدراك العوام فإنه يقوم على ثقافة المشافهة غير الممحَّصة وعلى الارتجال والتقليد الأعمى المحض كما أنهم واقعون تحت أثقال الجهل المركَّب لأنهم يجهلون جهلهم ويحسبونه علماً فلا يمكن أن يكون إدراكهم سليماً لقضايا شديدة التعقيد ولا أن يكون حكمهم فيها صائباً.. فالباحثون الجادون يواجهون عُسراً مرهقاً في التحقق من وجوه الحق وفرز التباسات الواقع كما أنهم قبل ذلك قد كابدوا الجهد المرهق لبناء القدرة الكافية التي تؤهله لإبداء الرأي في هذه القضايا المعقدة فكيف بالعوام وما ينطوون عليه من جهل مركب وحس غليظ وذوق جاف ومعرفة ضئيلة وافتقار مطلق إلى إدراك شروط التحقق؟!!..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الحقائق لا تنجلي إلا للباحثين الجادين الذين يكافحون من أجل الوصول إليها وهذا الانجلاء لا يتحقق إلا بعد جهد جهيد فالحقائق ذات التعقيد الشديد هي أبعد ما تكون عن متناول العوام الذين يتلقون ثقافتهم من المشافهة الطائرة والمكوَّنة بالبرمجة التلقائية وبالأحكام المسبقة والتي لم تخضع لأية مراجعة ولا فحص ولا تمحيص فالوصول إلى الحقائق محفوف بالكثير من العوائق وهو لا يتحقق إلا حين ندرك كثافة الحجب التي تفصلنا عنها وإلا حين نوطّن النفس على مواصلة السعي إليها والتنقيب عنها والإصرار على بلوغها والتخوّف من إفلاتها والاستعداد الدائم للمراجعة والتدارك والتصحيح ولكن هذه الشروط الأساسية تظل بعيدة تمام البعد عن تصور العوام...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;بل إن المتخصصين في علوم العقل والنفس والثقافة والأعصاب والانثروبولوجيا والاجتماع والتاريخ يؤكدون بأن الإنسان بشكل عام حتى لو كان متعلما يتصرف بشكل يقترب من الآلية المطلقة وأنه لهذا السبب يقع أسيراً للثقافة السائدة فلا يخطر في باله أن يخضعها للمراجعة وأنه لا ينفلت من هذه الحالة الفكرية البائسة سوى أفراد معدودين يستعيدون فرديتهم حين ينضجون بعد أن كانت هذه الفردية مختطفة ومبرمجة قبل بزوغ وعيهم ثم بعد النضج يكافحون للتحقق مما هو مستقر في أذهانهم ووجدانهم ورغم ما يقاسونه من عناء في المراجعة والتحقق فإنهم لا يستطيعون التخلص تخلصاً كاملاً وإنما نهاية ما يحققونه في إعادة برمجة ذواتهم أن يتخففوا جزئيا من البرمجة الشاملة والعميقة التي خضعوا لها في طفولتهم وشبابهم قبل نضوج وعيهم..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;فإذا كان المتميزون يعانون من أثقال ما تبرمجوا به إلى هذه الدرجة فإن سائر الناس لا يحسون بتاتاً بهذه الأثقال بل يبقون مغتبطين بها ومستميتين بها ومستميتين في الدفاع عنها ومن المعروف أن مناهج التعليم في كل الثقافات وعند كافة المجتمعات ترسّخ ما هو سائد فتعزز هذا الاغتباط وتعمق مبررات الاستماتة من أجله فإذا كانت الثقافة منفتحة عزَّزت الغبطة بالتفتح ودفعت الى المزيد من الانفتاح والثراء والتنوع أما إذا كانت الثقافة منغلقة فإنها تعزز المزيد ثم المزيد من الانغلاق وتدفع إلى تضافر مكونات الامتثال والتماثل والاندماج..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لذلك يرى عالم الجهاز العصبي الحائز على جائزة نوبل والموصوف بأنه من العلماء الخارقين في هذا العصر خوزيه دلجادو في مشاركته بكتاب (المستقبل): أنه يجب استفزاز الناس بالإعلان لهم بأنهم مأخوذون بالسلوك الآلي فلعل هذا الاستفزاز يوقظهم لمهزلة العقل البشري وقابليته للبرمجة والإغلاق إذا هو حرم من النقد ومن آلية المراجعة والتصحيح فربما أن الناس بهذه اليقظة الاستثنائية يتداركون حالهم ويفطنون لتزييف وعيهم وينتبهون لاختطاف عقولهم فيسعون للتساؤل والمراجعة والتصحيح فيقول هذا العالم النوبلي: «إذا تأمّلت أي فرد فيجب أن يكون في حسبانك تبعيّته الكاملة لأقرانه ومحيطه فنحن لسنا كيانات مستقلة بل نحن جزء من تيار متدفق نابع من الماضي فيجب أن ندرك أن عقلنا يتشكّل أساساً من المعلومات الوافدة من خارجنا وهي لا تفتأ تصوغ قالبنا الذهني وعندما أقول إن البشر آلات مسيّرة فما ذلك إلا لكي أستثير فيهم ردود الفعل لكي أخرجهم من قوقعة السلوك الآلي فلو كنت على قناعة بأنك حرٌّ فأنت إنسان آلي أما إذا أدركت أن الكثير من المؤثرات تكيّف سلوكك فإنه يمكنك ويتعيّن عليك أن تسلك درب الذكاء والحرية الفردية ولذلك ينبغي عليك بادئ ذي بدء أن تتعرّف على العوامل الحاسمة التي تحدد شتى آلياتك» فالغفلة عن آلية السلوك الإنساني تؤدي إلى تفاقم هذه الآلية وإلى استمرار غياب العقل الفاعل وتكريس هيمنة العقل المنفعل أما إذا حصل الانتباه لهذه الآلية فإن الفرد يستدرك حالته ويستخدم العقل الفاعل فيعيد تكوين ذاته ويسترد السيطرة على آليات عقله..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ويؤكد خوزيه دلجادو أن فسيولوجيا المخ ليست مع الأصالة الفردية ولا مع التفكير المستقل: «بل على النقيض من ذلك فالعقل يتبع في وضعه الطبيعي مخططاً بيانياً أولياً تقرره الجينات والضغط لاجتماعي وبالنسبة للمخ فاستواء الحال هو بمثابة العبودية» ويواصل التأكيد بأنه: لكي يكون الناس راشدين ومستقلي التفكير ينبغي تعليمهم التساؤل وعدم الامتثال الأعمى التلقائي وتنفيرهم من التسليم البليد لما هو سائد ويلح على أنه: «يجب أن نعلّم الناس الوعي بميكانزماتهم الانفعالية وبمسار فكرهم حتى يصبحوا قادرين على تطوير ذكائهم وتنمية شخصيتهم ولابد لهم من الاختيار بأنفسهم مع الوعي السليم بالمخطط البياني الذي رسخ في وجدانهم عن طريق البيئة المحيطة بهم فالحقيقة البيولوجية مفادها أنك لا تستطيع الإفلات من تأثير التنشئة فأنت عاجز عن الإفلات لأنه بغير الرسائل التي تحتجزها الحواس ما كان لمخك أن يتشكّل وما كان لعقلك أن يبرز للوجود» ويرى أن علينا أن نجعل الناس يعون ويفهمون هذ المأزق البشري ويؤكد أنه لا غنى عن وضع برامج تربوية ترتكز على أسس بيولوجية وينبّه إلى خطأ الاعتقاد بأن الأطفال يمتلكون شخصية منذ مولدهم فالطفل عندما يولد لا يملك أياً مما يطلق عليه صفات الكائن البشري وهو لا يستطيع القيام بأية مبادرة فليس لديه شخصية محددة وانما لديه فقط قابلية للتشكل فيجب إمداده بالمعلومات الصحيحة الجيدة التي تشكّل شخصيته تشكيلاً مناسباً وإن لم يتحقق ذلك فلن ينمو عقله نمواً سليماً فإذا اعتاد أن يتلقى ولا يناقش فلن يتجاوز السلوك الآلي ولن يفطن لهذه الآلية التي سلبته ذاته وأبقته إمَّعة وهذا هو مآل أكثر الناس في الثقافات المغلقة..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الناس يندفعون مع القطيع ولا يتساءلون أو يراجعون أو يفصحون وإنما هم دائماً واثقون ثقة عمياء مطلقة يستكينون للمسايرة ويحتمون بالتقليد ويكتفون بالمحاكاة لأن التفكير الجاد المستقل كما يقول دلجادو: يحتاج إلى الكثير من العناء والجهد ومن السهل أن يسير الإنسان مع القطيع وأن يستجيب لما يُملى عليه فعلينا أن نعلّم الناس كيف يحكمون على المعلومات التي تقدّم لهم ليصبحوا سادة وضعهم الخاص وفقاً لما يسميه دلجادو مبدأ التأصيل النفساني الذي يزوّد كل فرد بالوعي الذي يدرك به إمكاناته وميكانزماته العقلية وآليات البرمجة الذهنية والوجدانية التي تخطفه من ذاته قبل إشراق وعيه..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وهكذا نرى خطورة الاستجابة للعوام في الثقافات المغلقة لأنهم لا يقيمون سلطتهم على العلم الدقيق والتفكير الجاد والمراجعة المتأنية وإنما يندفعون خلف من يستخفهم إذا كان يزكي ما هو مستقر في أذهانهم ويتناسب مع اتجاهات وجدانهم وينسجم مع تصوراتهم عن الإنسان وقدراته وعلاقاته وقيمه وعن الحياة وهدفها وكيفية ممارستها..قد يقال بأن الكف عن الاستجابة لمواقف العوام يتعارض مع ما هو سائد في المجتمعات المزدهرة التي تعطي الرأي العام أهمية قصوى وتبني عليه ما تتخذه من قرارات وما تتبناه من اتجاهات وما تتبعه من سياسات؟!&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الرأي العام مهم وأساسي في الحياة العامة إذا كانت الثقافة تعددية ويتاح للناس بمنتهى الحرية والأمان أن يسمعوا كل الآراء وأن يطلعوا على كل المواقف وأن يختاروا بعد المقارنة ما يرونه متفقاً مع مصالحهم أما في الثقافات المغلقة التي يحتكر فيها الرأي ويصاغ الرأي العام برؤية أحادية مغلقة فإن إجماع العوام المبرمَجين يكون خطراً ماحقاً على الحقيقة وعلى الفكر والعلم والحياة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-1890321006368250563?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/1890321006368250563/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1344.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1890321006368250563'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1890321006368250563'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1344.html' title='سلطة العوام أحد منابع الجهل و الظلم و التخلف ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-3435736693566845247</id><published>2010-04-12T00:53:00.002+03:00</published><updated>2010-04-12T00:56:11.618+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>تنوع مجالات الإبــداع  ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;تنوُّع مجالات الإبداع &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;إبراهيم البليهي&lt;/span&gt; &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt; في مجتمع تقوم ثقافته على المشافهة وتعتمد السماع ويستهويه الارتجال في الفكر والفعل وينحصر عنده الإبداع في قول الشعر وتوارثت أجياله هذا التطبيق الخالق للإبداع.. في مثل هذا المجتمع كالمجتمع العربي لا يجد المبدعون وسيلة للتعبير عن أنفسهم سوى فن الشعر الذي هو فن العاطفة وليس صناعة العقل وهو فن الارتجال وليس نتاج الاستقصاء ولا ثمرة الجهد المديد لذلك نجد أن مبدعاً تنوعت مجالات نبوغه مثل غازي القصيبي لا يريد أن يعرفه الناس إلا بأنه شاعر ويرى أنه لن يبقى من إنتاجه سوى الشعر ولن يتذكره الناس إلا بما أبدعه في هذا المجال رغم أنه أبدع في مجالات كثيرة ومتباينة ومثله يفعل أدونيس فهو يعتقد بأن الناس سوف لا يذكرونه بالثابت والمتحول بمجلداته الأربعة ولا بغيره من الكتابات النثرية المثيرة والكثيرة وإنما يريد أن يُعرف بأنه شاعر وهو يفضِّل هذا الوصف على وصف المفكر أو المثقف أو الكاتب أو الباحث.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إنها ثقافة السماع التي جعلت الكثير من الموهوبين في مجالات متعددة يتركون مواهبهم تضمر ويتجهون إلى فن الشعر وحده لأنه يُلهب مشاعر العرب ويستفز وجدانهم وله في نفوسهم صليل لا ينقطع لا يغلبه سوى صليل الشائعات والأقاويل التي لها حضور دائم وتأثير مزلزل.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الثقافة العربية تتغذى من روافد محصورة ومصدرها الرئيسي هو المشافهة لذلك فإن الناس على سبيل المثال لا يتذوقون روائع الفن التشكيلي فإذا أحسَّ المتخصص في الفن التشكيلي بأنه يملك موهبة أخرى تتفق مع ثقافة السماع فإنه لن يتردد عن إثبات ذاته من طريق هذه الموهبة الرائجة لأنه يدرك أنه لا رواج للفن التشكيلي في البيئة العربية مهما أنجز المبدع في هذا الفن الرفيع الذي لم تتدرب عليه الذائقة العربية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هناك أديبٌ له شهرة عالمية هو جبران خليل جبران متخصص دراسياً في الفن التشكيلي (الرسم) ولكن لأنه عاش في الغرب فإنه قد أبدع في الرسم مثلما أبدع في الشعر وفي الفن الروائي وفي الكتابة وقد راجت لوحاته في الغرب مثلما راجت أشعاره وكتاباته أما في المجتمعات العربية فإنه لا يُعرف إلا بأشعاره ورواياته وترجماته وكتاباته وحتى هذه لا يعرفها سوى شريحة محدودة من المثقفين أما إبداعاته في الفن التشكيلي فلا يكاد يعرفها أحد وهي بالقطع ليست رائجة في المجتمعات العربية وإذا وُجدت فإنها لا تمثل اهتماماً جمالياً إلا لأفراد معدودين ممن يتذوقون هذا الفن غير الرائج في الثقافة العربية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وإذا كان جبران خليل جبران قد تخصص دراسياً في الرسم وأبدع فيه وفي الأدب والفكر فإن جبرا إبراهيم جبرا عكسه تماماً فقد تخصص دراسياً في الأدب ونال الماجستير من بريطانيا في الأدب الانجليزي لكنه أبدع في مجال تخصصه كما أبدع أىضاً في الفن التشكيلي فهو رسام مبدع وصدرت دراسات عن إبداعه في مجال الرسم لكن في المجتمعات العربية يعرفه المثقفون بأنه شاعر وباحث وناقد ومترجم وقاص وروائي أما إبداعاته في الفن التشكيلي فمن النادر أن يعرفها أحد لأنه لا رواج لهذا الفن في البيئة العربية كما أن الناس في الثقافة العربية لا يريدون أن يعرفوا الشخص إلا بعنوان واحد أما تعدد مجالات الإبداع فهو ليس معترفاً به فلابد من التنميط ووضع كل مبدع تحت لافتة واحدة لا يحق له مغادرتها مع أن تعدد المواهب في المبدع هي حقيقة قام عليها ألف ألف برهان.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;في الغرب يتذوق الناس من كافة المستويات الفن التشكيلي بحرارة ولهفة واهتمام شديد لذلك فإن لأهل هذا الفن الدقيق مكانة عالية فمن النادر أن يوجد في المجتمعات الغربية من لا يعرف الرسام الايطالي الشهير مايكل انجلو أو ليوناردو دافنشي أو رافائيل من رسامي عصر النهضة وكذلك بيكاسو أو سلفادور دالي من رسامي القرن العشرين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن شهرة هؤلاء الرسامين في الغرب أكثر من شهرة نابليون أو بسمارك أو إبراهيم لنكولن وكما يقول محمد القيسي: ".. بيكاسو شغل اسمه وفنه تاريخ الفن التشكيلي في القرن العشرين بما أبدعه من أكوان وجماليات في الرسم الحديث قلبت موازين الجمال واعتُبرت ثورة حقيقية في مسار هذا الفن.." وكانت شهرة بيكاسو أو غيره من الرسامين الكبار أوسع وأدوم من شهرة رؤساء الدول أو القادة العسكريين الفاتحين وتباع لوحاتهم بالملايين بل أحياناً لا توجد هذه اللوحات معروضة للبيع مهما غلا الثمن لأنهم يعتبرونها تراثاً إنسانياً مشتركاً لا يجوز أن يختص به فرد دون غيره.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الفن التشكيلي رافد من أهم روافد الثقافة العربية.. الأوروبية والأمريكية ولقد بلغ من اهتمام الغربيين بفن الرسم أن لوحة (الموناليزا أو الجيوكوندا) التي أبدعها ليوناردو دافنشي المتوفى عام 1519م وبلغت من الأهمية إلى درجة أن متحف اللوفر في باريس الذي يحتفظ بها قد كلّف فريقاً من الحراس يقفون أمامها بالتناوب ولم يكتفوا بحارس واحد للنوبة وإنما يقف أمامها حارسان بصفة دائمة بلباسهما الرسمي ويقف معهما حارس ثالث متنكراً بلباس مدني لئلا تتعرض للسرقة أو للعبث ليس هذا فحسب بل لقد حالوا بين رواد المتحف وبينها بحواجز لئلا يقتربوا منها ورغم كل هذه الاحتياطات فقد تعرضت للسرقة عام 1961م فأُعلنت في أوروبا كلها حالة تشبه حالة الطوارئ ومات اثنان من موظفي المتحف من هول الصدمة وقد استعيدت اللوحة من ايطاليا وحوكم سارقها وحُكم عليه بالسجن مدة سنتين أما اللوحة فقد أُحيطت بحافظ زجاجي خاص لا يخترقه الرصاص.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هذا التقدير البالغ لفن الرسام في أوروبا يقابله اهتمام مماثل بتجويد العمل من قبل أهل الفن فاللوحة التي مازالت خلال القرن تنال كل هذا الاهتمام قد استغرق إنجازها من دافنشي عشر سنوات فالفن الرفيع المتقن لا يمكن أن يتحقق بالارتجال وإنما هو ثمرة الجهد الشاق والصبر الطويل.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العملية الإبداعية مرتبطة بالمبدعين وبالمتذوقين معاً فلا ينمو الإبداع في مجال لا تتذوقه البيئة الاجتماعية ولا يتدرب الناس على التذوق الفني إلا برواج الإبداع فتجويد الإبداع ونموه مرتبطان برواجه والحفاوة به فهو يخضع كغيره لقانون العرض والطلب والإشكالية في هذا المجال أن التذوق الثقافي لا ينمو إلا بالإبداع بينما أن الإبداع لا يتطور إلا بالتذوق والقبول والرواج لذلك فإن تحقيق النمو الثقافي وشق روافد ثقافية جديدة هما من العمليات الشديدة التعقيد.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ومع أن الأصل أن نمو الإبداع مرتبط برواجه وفقاً لقانون العرض والطلب فإن عشق الفن يتغلب أحياناً على ظاهرة الكساد فيتغافل هذا العشق عن التجاهل الاجتماعي ويقتحم مجال الفن بصبر وإصرار فالموهبة تفرض نفسها على صاحبها مهما كسد نتاجه فيكرس الموهوب موهبته للإبداع في مجال غير مطلوب في بيئته ويتجاهل بذلك قانون العرض والطلب الذي له الهيمنة في غالب الأحيان ولعل إخلاص المبدع صالح العزاز لفن التصوير هو النموذج الحي على تجاوز الموهبة لعقبات البيئة الاجتماعية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;كما أن تعدد مواهب صالح العزاز شاهدٌ من الشواهد الكثيرة التي تؤكد أن الموهوب يستطيع الإبداع في أي مجال يمحضه اهتمامه وأنه ليس بحاجة إلى شهادة من أحد لكي يبدع فالعزاز قد زهد بمواصلة الدراسة الجامعية فلم يكملها فهو لا يحمل سوى شهادة المرحلة الثانوية لكنه يكتب بأناقة رفيعة آسرة ويستطيع التصرف باللغة بمستوى لا يحلم به الكثيرون من الذين أمضوا أعمارهم في دراسة اللغة وهو يكتب النثر بروح شعرية مفعمة بالعذوبة والبهاء وهو لو أراد أن يكون شاعراً لكان له ذلك لأنه يملك المؤهلات الشعرية كما أن معرفته ليست نثاراً لامتلاء الذاكرة وإنما هي معرفة مؤصَّلة لا تجدها إلا عند القلة من أساتذة النقد المتوغلين في الفكر الفلسفي وهو بكل ذلك يحلِّق خارج المواضعات العادية المألوفة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ونعود لنؤكد بأن تذوق جماليات الفنون في الغرب ليس إرثاً بيولوجياً ولا هو ذكاء امتازوا به ولا هو تدريس تلقوه بالمدارس وإنما هو اهتمام امتصوه تلقائياً من المجتمع وتنشئة ثقافية عاشوها فهذا التذوق لا يبني نفسه وإنما يخلقه اهتمام البيئة الاجتماعية ولأن المجتمع العربي لا يهتم بالفن التشكيلي فقد بقيت الإبداعات التشكيلية خارج مهام الذوق العربي وبقي الفنانون التشكيليون خارج النسق الثقافي العربي.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;في لقاء مع أستاذ الفن التشكيلي حامد عويس نشرته مجلة العربي يقول: ".. الفن التشكيلي في مصر (وفي العالم العربي كله) غير مرتبط جماهيرياً.. الفن معزول عزلاً تاماً.. الجماهير في مكان والفنانون التشكيليون في مكان آخر.. الصحف نصفها عن الكرة وهناك مجلات وصحف خاصة بالكرة.. التلفزيون يدفع الملايين من أجل نقل مباريات كرة القدم.. الإبداع في الفن التشكيلي فردي وليس عملاً جماعياً مثل كرة القدم.." مصداق ذلك محلياً أن الناس كلهم تقريباً يعرفون أسماء اللاعبين ويلمون بتفاصيل حياتهم ولكن من يعرف الفنان التشكيلي عبدالحليم رضوى أو الفنان محمد السليم الذي مات غارقاً في الديون ولم تفده لوحاته الجميلة والكثيرة بل ربما أن الإنفاق على هذه اللوحات هو الذي أغرقه بالديون؟!&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ومن يعرف محمد الصقعبي وضياء عزيز وفؤاد مغربل وخالد العبدان وصفية بن زقر ومحمد الصندل وعلي الرزيزاء وعبدالحميد البقشي وكمال المعلم وعبدالله المرزوق وفيصل السمرة ومنيرة موصلي ونبيلة البسام وعبدالستار الموسى وسعد العبيد وعبدالله الشلتي وعبدالجبار اليحيا وأحمد المغلوث وعبدالعزيز الناجم وصالح النقيدان وغيرهم ممن استعرض أسماءهم عبدالرحمن السليمان في بحثه الذي نشرته له مجلة (الصورة) وجريدة الحياة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الفن التشكيلي فن رفيع وكما يقول حامد عويس: ".. الفن التشكيلي إبداع والإبداع فكرٌ يصاغ في لغة من اللغات فإذا تمت صياغته في اللغة الكلامية فهو أدب.. وفي لغة الشكل فهو تشكيل وفي لغة النغم فهو موسيقى..".&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن أستاذ الفن التشكيلي حامد عويس يؤكد بأن الإبداع في هذا الفن كغيره من الفنون ليس وقفاً على دراسية بل قد يكون الشخص مبدعاً في الرسم وهو لم يدرسه مثلما يبدع في الشعر وهو غير دارس له بينما أن كثيرين ممن درسوه لا يبدعون فيه إن الدراسة النظامية لا تخلق المواهب الغائبة ولكنها توقظ موهبة كامنة أو تصقل قدرة نامية وقد تتمكن الموهبة من البزوغ دون دراسة ومع أن حامد عويس قد دخل هذ الفن عن طريق التخصص الدراسي فإنه يعترف للمبدعين من غير أهل التخصص الدراسي فالفن التشكيلي قد يدخل إليه المبدع عن طريق التخصص فيه دراسياً كما فعل هو وقد يتحقق بمحض الاهتمام كما حصل لرسامين كبار لم يتلقوه في المدارس والمعاهد والكليات وإنما أنجزوه بمحض اهتمامهم فيقول: ".. هناك فنانون تخرجوا في مدرسة الفنون الجميلة وتعلموا الفن على يد فنانين مصريين أو أجانب وهناك أيضاً فنانون كبار لم يتخرجوا وتعلموا الفن (بمحض جهدهم وهم أساساً فنانون ولديهم استعداد فني كامل مثل المصور الكبير محمود سعيد ومحمد ناجي وسيف وائلي وأدهم وائلي ومحمود مختار ومحمود موسى وآخرين..".&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الإبداع لا يتكوَّن من تلقين المعلومات التي هي عطاء مشترك وإنما يتأتى الإبداع من الموهبة وتدفق الاهتمام من أغوار النفس ولكن هذه الحقيقة الأساسسة مازالت غالبة مما جعلنا ننتظر الإبداع من غير أهله ونغمط المبدعين حقهم في الاحترام والاعتراف.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-3435736693566845247?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/3435736693566845247/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_673.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/3435736693566845247'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/3435736693566845247'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_673.html' title='تنوع مجالات الإبــداع  ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-2327390860395229043</id><published>2010-04-12T00:43:00.002+03:00</published><updated>2010-04-12T00:48:26.377+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>الطريق الثالث - تحولات الليبراليه أم أمل الإشتراكيه  ؟</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الطريق الثالث.. تحولات الليبرالية أم أمل الاشتراكية ؟ &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt; غادة موسى&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;  يثور بصدد مفهوم أو مصطلح الطريق الثالث أو طريق الوسط عدة تساؤلات، بعضها يتعلق بمحتوى المفهوم ذاته، وأسباب ظهوره على سطح الحياة النظرية بهذه الكثافة، وتساؤلات أخرى تتعلق بجدوى هذا المفهوم وقدرته على طرح حلول لإشكاليات تعاني منها النظم الاشتراكية المتهاوية والنظم الليبرالية المستأسدة على حد سواء.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;معظم الدارسين والمنظّرين الذين تناولوا هذا المفهوم بالتحليل ركّزوا على جانبه الاقتصادي متناسين - ربما بحسن نية - أن النظم السياسية سواء الشمولية أو الديمقراطية الليبرالية هي المتسبب الأول في هذا الارتباك الفكري على مستوى التنظيم السياسي والاقتصادي الاجتماعي معًا، نتيجة تطبيق كل منها الحد الأقصى والسقف الأعلى للسياسات، فالاشتراكية أسرفت في اشتراكيتها، والرأسمالية غالت في رأسماليتها، وضاع طريق الوسط على أرض الواقع، بل وعلى مستوى النظرية في أحيان كثيرة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;جاذبية الطريق الثالث&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الطريق الثالث كما ظهرت فكرته لأول مرة عام 1936 على يد الكاتب السويدي "arquis Child " هو طريق الوسط بين مفهومي الليبرالية الاقتصادية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وتنبع جاذبية هذا المفهوم من كونه لا يتبنّى السقف الأعلى أو الحد الأقصى لكل نظرية، أي أنه جسر بين الأيدولوجيات. وعلى الرغم من أن الاشتراكية الثورية لم تحظَ بأي قبول داخل الولايات المتحدة فإن القيم والمثل الاشتراكية - خاصة قيمة العدل الاجتماعي - تغلغلت بشكل قوي في توجهات الديمقراطيين الليبراليين واليساريين على حد سواء، كما لا يخفى على معظم المفكرين حقيقة إصابة المجتمعات الأوروبية والمجتمع الأمريكي بخسائر من جرّاء تطبيق الأفكار الليبرالية المحضة. وبغضّ النظر عن النتائج المؤسفة من جرّاء تطبيق القيم الاشتراكية في ظل النظم المركزية الشيوعية، فإنها تظل لها جاذبيتها في وجدان الأغلبية من المستضعفين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لماذا تجدّد طرحه؟&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هناك عدد من العوامل والظروف الدولية والمحلية ساعدت على طرح هذا المفهوم مجددًا، أبرزها:&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- سقوط القطبية الثنائية بتهاوي الاتحاد السوفييتي وسيادة الولايات المتحدة على مسرح الأحداث العالمي، متجاوزة الأطراف الأخرى، ليس فقط الدول النامية ولكن بعض الدول الأوروبية كذلك. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- الوعي بخطورة سياسات الجات على الدول النامية والدول الصناعية الجديدة خاصة الآسيوية، وسعي بعض الدول الأوروبية لتفادي كارثة دولية تتمثل في صراع قد ينشب بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وذلك بمحاولة إيجاد حوار بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة لعلاج المشاكل التي تواجه الجميع في عالم واحد، وهو ما جسّدته الأحداث الأخيرة في سياتل 2000 وغيرها. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;3 - ظاهرة الدمج بين الشركات العملاقة والوحدات الكبيرة على حساب الأسواق المحلية، والشعور بالحاجة إلى دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد، أي صيغة جديدة لعلاقة شراكة وليس تنافس بين الدولة وقوى المجتمع.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;4 - انحسار دور مجموعة عدم الانحياز وتضاؤل الفكرة ذاتها، وانكماش مجموعة الـ 77 بحيث اقتصرت مؤخرًا على 15 دولة تمثل ثلاث قارات (آسيا – أفريقيا – أمريكا اللاتينية)، وأخفقت تلك الدول في عرض مطالبها في مفاوضاوت الجات، كما أن بعض الدول النامية كان الغبن عليها كبيرًا؛ إذ لم تجد من يمثلها التمثيل الذي يحقق مطالبها في مواجهة الدول المتقدمة؛ لذلك فقد تولّدت لدى هذه الدول الحاجة لتبني مبدأ يتجاوز سلبيات التخطيط المركزي ومساوئ الرأسمالية، وأثرهما على الطبقات الفقيرة تحديدًا.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;مظاهر الصعود&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هناك عدة مظاهر لصعود الطريق الثالث كخيار بين الحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا المتمسكة بشكل معلن بمفهوم العدالة الذي كانت تعبّر عنه الشيوعية، ورافضة لحدوث تحولات اجتماعية تهمش الطبقات الفقيرة، خاصة من اللاجئين والمهاجرين من الدول النامية.&lt;br /&gt;كذلك نلحظ تغلغل المفهوم في أدبيات وخطاب الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمينية سواء في ألمانيا الأحزاب المسيحية أو في إيطاليا في الفاتيكان؛ لوجود اهتمام لدى هذه الأحزاب الدينية هناك للتقليل من حدة آثار الرأسمالية الشرسة؛ لذلك نجد أيضًا أن معظم أحزاب يمين الوسط قد تبنت تصورًا لدولة الرفاهة الحديثة في مقابل مصالحة الأحزاب السياسية الأخرى مع الرأسمالية والسوق الحر.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ويجد المتأمل للساحة الأوروبية أن معظم الأحزاب السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم حاليًا هي أحزاب يسارية ترفع مبدأ الاشتراكية الديمقراطية وضرورة التغير المستمر بشكل سلمي، بدءًا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، مرورًا بالحزب الاشتراكي في فرنسا، ثم حزب العمال في إنجلترا (العمال الجديد كما يقول بلير)، وهي يسارية جديدة تتخلى عن الدوجماتية، وتطور رؤاها بما يتفق مع الطريق الثالث، وتقدم أطروحات هامة في مجال المرأة ومجال البيئة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة، أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها "الوسط الجديد" والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي إلى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة، فبالنسبة لرجل الشارع فإن هذا الطريق هو الذي يطبق - حسب تعبير Bodo Hombach المستشار الخاص لشرودر - مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية، أي المساواة في الفرص وفي الدخل، حتى وإن كان ذلك حلمًا يسعى الجميع بجد لتحقيقه.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;اقتصاد بلا أيدلوجية&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;يسعى المفهوم لتحقيق غايات أساسية:&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح، من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدًا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها، أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا (وهو ما رآه المعارضون تحريرًا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها).&lt;br /&gt;- تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب، كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية.&lt;br /&gt;- اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكّن من مواجهة التأثيرات السلبية للأحادية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة، وأيضًا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها (وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكيف الهيكلي التي يدرّها البنك وصندوق النقد الدولي). &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- تبني المبادئ التي تنادي بأن دور الدولة يجب أن يوجّه أساسًا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية، أي وضع الدول أمام مسؤولياتها في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هل حدث تقدم؟!&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;يمكن القول: إن الدول الأوروبية في المقام الأول - وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا - تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق، وفي ما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسدّ فجوات التطبيق وثغراته.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;والطريق الثالث عند هذه الدول يُعَدّ مقياسًا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد، والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية، ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات تعليم وصحة وتأمين اجتماعي وإعانة المسنين والمتبطلين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ومما لا شك فيه أن هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فهي ما زالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم، وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة، وأيضًا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية، خاصة الذين لا يشاركون في سوق العمل، مما شكل عبئًا كبيرًا على كاهلها، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا، أخذًا في الاعتبار هبوط الميزان الديمغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الاختلاف حول طريقة الوصول&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولا يزال مفهوم الطريق الثالث في حاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفعليه وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم، بل أيضًا في دول العالم النامي؛ فالوسط الجديد يحتاج إلى الدولة، ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي، وتؤمن بالمنافسة العالمية؛ لأن المعلومات في مجال التكنولوجيا، كما أنها تؤمن بالابتكار، وتحدّ من سطوة جهازها البيروقراطي، وتلجأ إلى حلول مبتكرة، فإنها تستلهمها من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال: إن هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فالأحزاب السياسية يجب في المرحلة القادمة أن تعكس مصالح الطبقة الوسطى، وأن تتبنى برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;كما على الدولة القيام بوضع سياسات عامة تطرح حلولاً جديدة، مثل: تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي أو الموسمي أو العمل المنزلي، ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية، وأن تزيد من مسؤوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم.&lt;br /&gt;ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين أن الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية، بعبارة أخرى أن تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة، وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي:&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميَّين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، ولا تشمل تلك الخدمات فقط خدمات الصحة والتعليم، بل تمتد إلى أدوار الدولة الأساسية في الحفاظ على الأمن، وتعبيد الطرق، والإمداد بالمياه، وهي الأدوار التي ظلت تلازم الدولة حتى في ظل سيادة مفهوم العولمة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;- إلغاء مفهوم الخدمة العامة أو الخدمة الاجتماعية وإحلال محله مفهوم المسؤولية الفردية، وذلك من خلال الضغط على الطبقات الدنيا؛ لتبحث عن حلولها لمشاكلها التعليمية والصحية، وتأمين نفسها بعيدًا عن موارد الدولة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ويتضح مما سبق أن هذه الليبرالية الجديدة وإن كان أنصارها يدعون أنها في المدى الطويل تخدم فكرة تطبيق الطريق الثالث أو الاشتراكية الديمقراطية في تدبيرها التمويل اللازم لنفقات الدولة الاجتماعية، فإنها تعبر عن ضغط من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليّين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هذه الليبرالية الجديدة ظهرت آثارها بشكل واضح في الضغط الذي مُورس على دول مثل شيلي والمكسيك من أجل خفض أجور العمال بمعدلات تتراوح بين 40 - 50%، في الوقت الذي زادت فيه تكلفة المعيشة بمعدل 80%، ونتج عن ذلك إفلاس أكثر من 20 ألف مشروع صغير ومتوسط.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;بل حتى في الولايات المتحدة تضغط الشركات متعددة الجنسيات، مستهدفة الحد من الإنفاق على برامج الرفاهة الاجتماعية والهجوم على حقوق العمال، ويخشى الشعب الأمريكي أن يكون العقد الاجتماعي للجمهوريين في الألفية الثالثة هو ليبرالية جديدة محضة، فالليبراليون الجدد يبذلون مجهودًا كبيرًا للحدّ من برامج الحماية الاجتماعية للأطفال وللمسنين وللمتبطلين، أي المعاناة إلى ما لا نهاية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الطريق الثالث للدول النامية&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;المأزق الذي تعيشه الدول النامية منذ نصف قرن هو عدم قدرتها على استلهام نموذج سياسي اقتصادي يلائم ظروفها وطبيعتها، مع ثبوت فشل تبنّيها لسياسات اشتراكية ماركسية وليبرالية ديمقراطية؛ لغياب العوامل والمكونات اللازمة لترسيخ أي من هاتين النظريتين.&lt;br /&gt;لقد بدأت الدول النامية تخطو خطواتها الأولى نحو الانفتاح على الأسواق العالمية وتحرير اقتصادها وخصخصة مشاريعها، خاصة عقب انهيار النظام الاشتراكي وفقدانها الحماس للأفكار والقيم الاشتراكية، وفي الوقت الذي تحاول فيه أن تلعب دورًا في الاقتصاد العالمي، وأن تشارك في فعالياته نجدها تحاول جاهدة الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الاجتماعية في حدودها الدنيا، أي الحفاظ على دولة الرفاهة مع عدم التخلف عن ركب الاقتصاد العالمي.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;فمن الناحية النظرية يبدو هذا الطريق مجديًا لهذه الدول، محققا لآمالها وطموحاتها بدون الالتزام بالانحياز لأي فكر وأيدولوجية ما.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#000000;"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;أما من الناحية البراجماتية(النفعية)، فإن هذه الفكرة قد يصعب تحقيقها دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل أكبر لدور الأحزاب السياسية، وإحياء الطبقة الوسطى بحيث تعبّر الأحزاب عن احتياجاتها وفكرها، دون الضغط على موازنة الدولة أو جرّها للعب الدور الرئيسي المركزي والحاكم في الاقتصاد الوطني مرة أخرى، وفي الوقت ذاته دون دفعها إلى مزيد من الاقتراض بحيث تصبح مثقلة بالديون ومطالبة بسداد فوائدها المرتفعة عن طريق الاستقطاع مرة أخرى من نفقات دولة الرفاهة.&lt;/span&gt; &lt;/span&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-2327390860395229043?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/2327390860395229043/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_12.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/2327390860395229043'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/2327390860395229043'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_12.html' title='الطريق الثالث - تحولات الليبراليه أم أمل الإشتراكيه  ؟'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-49861954379980219</id><published>2010-04-11T02:27:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T02:29:24.593+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>أوغست كونت و تأسيس الحداثه الغربيه ...</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ينبغي العلم بان أحد الأسباب الأساسية للصدام المروع الحاصل حاليا بين العالم الإسلامي والغرب يعود إلى جهلنا بكيفية تشكل حضارته. ولكي نعرف كيف نتعامل مع الغرب وعقليته ينبغي أن نفهم كيف تشكلت هذه العقلية تاريخياً. فعقلية الحداثة غير العقلية الغيبية أو اللاهوتية التي كانت سائدة قبلها. والواقع أن أكثر ما يصدم حساسيتنا وعقليتنا نحن الباحثين العرب أو المسلمين عندما نجيء إلى أوروبا وجامعاتها هو هذه العقلية الوضعية، العلمية، الباردة، المقطوعة كلياً عن اللاهوت والتعالي الرباني.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وأنا شخصياً فوجئت بذلك كثيراً عندما جئت إلى فرنسا قبل ثلاثين سنة أو أكثر قليلا. وما كان من السهل عليَّ أن أتعود على هذه العقلية الجديدة: عقلية الحداثة. ولزمني وقت طويل لكي أفهمها وأستوعبها وأميز فيها بين الصالح والطالح. فالحداثة تسحقك في البداية وتبهرك وتفرض نفسها عليك وكأنها حقيقة مطلقة. بعدئذ وبمرور الزمن تنكشف لك نقاط قوتها وضعفها في آن معا. فهذه الحضارة التكنولوجية الجبارة التي تسيطر على العالم اليوم ليس من السهل استيعابها أو فهم منطقها بين عشية وضحاها! ويمكن القول بأن اوغست كونت (1798-1857) يمثل إحدى اللحظات أو المحطات الأساسية في تاريخ تشكل الحداثة الغربية. فهو مؤسس الفلسفة الوضعية التي سيطرت على فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهذا الرجل الذي ولد بعد الثورة الفرنسية مباشرة كان يعرف أنه ينبغي بناء نظام جديد على أنقاض النظام الإقطاعي واللاهوتي المسيحي القديم الذي أطاحت به الثورة. وكان يعتقد أن على العلم أن يقدم للمجتمع الصناعي الذي كان في طور التشكل مشروعيته ووحدته المتماسكة. فالنظام الاصولي المسيحي السابق كان يشكل أيضا وحدة متماسكة ورؤيا متكاملة للعالم وليس من السهل الحلول محلها. نقول ذلك وبخاصة أنها متجذرة في العقلية الجماعية منذ مئات السنين.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;هذا هو التحدي الكبير الذي كان مطروحا على جيل أوغست كونت. ولكن بما أنه كان تلميذاً وسكرتيراً للفيلسوف الكبير سان سيمون (1760-1825) فإنه كان يعرف أن العلم وحده لا يكفي. وإنما ينبغي تأسيس دين جديد يتناسب مع هذا المجتمع الوليد في أوروبا. ولذلك، فبعد أن أسس علم البشرية ودعاه بالسوسيولوجيا، أي علم الاجتماع، فإنه راح يؤسس في نهايات حياته دين البشرية الذي ينبغي بحسب نظره أن يحلّ محل المسيحية التقليدية. ففي رأيه إن العلم والدين ليسا متناقضين وإنما متكاملين. ولكن ينبغي تشكيل دين جديد يشمل البشرية كلها وليس فقط إحدى فئاتها أي المسيحيين هنا. وهذا الدين ينبغي أن يكون خالياً من الطائفية والتعصب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يقول المؤرخ المعاصر "ميشيل وينوك" الذي نعتمد عليه كثيراً في كتابة هذه الدراسة: في البداية كان اوغست كونت يعطي ثقته كلياً لشيء واحد هو العلم. وكان تكوينه المعرفي يقوده إلى ذلك بشكل طبيعي. فقد تخرج من مدرسة العلوم المتشعبة الاختصاصات، أي البوليتيكنيك، وعمره لا يتجاوز السادسة عشر ونصف. وكان أساتذته قد توسَّموا فيه أمارات العبقرية منذ البداية. وقالوا عنه بأنه أذكى طالب في دورته. وحتى زملاؤه على مقاعد الدراسة راحوا يدعونه بالفيلسوف بالرغم من صغر سنه. ولكن المشاغبات السياسية التي حصلت في المدرسة دفعت بالسلطات إلى إلغاء الدورة وطرد الطلاب. ولذا فلم يستطع اوغست كونت إتمام دراساته ونيل الشهادة التي تمكنه من أن يصبح بروفيسوراً، أي أستاذاً. وسوف يتأثر من هذه القضية طيلة حياته كلها، وبخاصة من الناحية المادية والمعاشية. ولكن هذه الهامشية التي أُجبر عليها كانت مفيدة جداً لكي يتفرغ لبلورة فلسفته بشكل جديد ومستقل عن السلطات الجامعية القائمة. وهكذا ربح في يدٍ ما خسره في اليد الأخرى.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وقد عاد إلى مدينته الأصلية "مونبلييه" الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بعد طرده من الكلية الباريسية الشهيرة. ولكنه لم يستطع أن يعيش فيها طويلاً. فباريس كانت مغرية بمسارحها، وعلومها، وفتياتها.. ولذلك عاد إليها وراح يعيش من الدروس الخصوصية التي كان يعطيها للطلاب في مادة الرياضيات. وفي عام 1817 حصل حدث مهم في حياته: فقد تعرف على الفيلسوف سان سيمون الذي ضمَّه بسرعة إلى فريق المجلة التي كان يصدرها تحت اسم "الصناعة". وقد بُهِر، وهو شاب في مقتبل العمر، بعبقرية أستاذه الذي كان قد تجاوز السابعة والخمسين. ومنذ البداية أحس بأنه يشاطره جملة من الأفكار الأساسية. وكان الإعجاب متبادلاً.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;من بين هذه الأفكار ما يلي: بعد أن تخلَّص الإنسان من هيمنة اللاهوت القديم ورجال الدين المسيحيين أصبح هو مركز الكون، وهو سيد نفسه وقدره ومصيره. ولم يعد يقبل بالهيبة اللاهوتية القديمة التي كانت تُفْرض عليه من الخارج أو من فوق كما حصل طيلة قرون وقرون. وعندئذ شعر الإنسان الأوروبي بأنه بحاجة إلى أخلاق جديدة وسياسة جديدة هي ما يُدعى بالأخلاق الوضعية والسياسة الوضعية. وقال سان سيمون بأن على مفكري هذا القرن أن يكرسوا كل جهودهم لتحقيق ذلك. وهكذا انضمّ إليه اوغست كونت لمساعدته على بلورة هذا المشروع الفكري الكبير. وظل مساعده، بل وسكرتيره، لسنوات عديدة قبل أن تتحول علاقتهما إلى منافسة بعد أن كبر اوغست كونت عن الطوق واشتدّ عوده.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;والواقع أن كونت استطاع أثناء هذه الفترة الخصبة التي قضاها في ظل فيلسوف كبير أن يحصل معلومات ومعارف عديدة في مختلف المجالات: من الفلسفة، إلى السياسة، إلى الاقتصاد، إلى العلوم الفيزيائية والبيولوجية والفلكية والرياضية... لقد أصبح موسوعة بحد ذاته ولا ينبغي أن يفلت منه شيء أو يفوته أي اختصاص أو علم. كان نهماً إلى المعرفة، لا يشبع. وقد كتب إلى أحد أصدقائه عام 1819 يقول: "أشعر بأن الشهرة العلمية التي اكتسبتها سوف تخلع قيمة أكبر على أفكاري السياسية". وبالفعل فان السياسة بدون فكر لاقيمة لها. ومنذ ذلك الوقت أخذ كونت يتصور الأمور على النحو التالي: لقد قام فلاسفة التنوير في القرن الماضي بعملية الهدم، أي هدم المعرفة اللاهوتية التي أمضى رجال الكنيسة قروناً في بنائها، وأنه آن الأوان في هذا القرن لإعادة بناء شيء آخر من جديد. يقول في إحدى تصريحاته الشهيرة: الشيء المطروح علينا اليوم ولأول مرة في التاريخ هو إحلال الأرضيّ محل السماوي، والوضعي محل الغيبي، والواقعي محل الشعري... ومن هو العبقري الذي لا يشعر بأن هذه هي المهمة الأساسية المطروحة على عصرنا؟ لحسن الحظ فإن الأمر لم يعد يتعلق بالهدم وإنما بالبناء والتعمير والتنظيم... لقد انتهى عهد الثورة الفرنسية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;أتوقف هنا لحظة وأقول بأن لبّ الحداثة الغربية يكمن في هذه الكلمات القلائل. ولهذا السبب فهي تصدمنا نحن الشرقيين المثاليين أو الحالمين. فالقضاء على التعالي، أو على الشعر يجعلنا نشعر بأننا يتامى، بأننا فقدنا أعزّ ما في الوجود. والواقع أننا لسنا مخطئين تماماً. فالحداثة الوضعية إذا ما سارت إلى نهاياتها تقود إلى العقلية التكنولوجية الباردة التي لا عاطفة فيها ولا رحمة. وهي التي تصدمنا لأول وهلة عندما نجيء إلى الغرب. وهذه هي إحدى سمات الحضارة الغربية التي أصبحت موضوعية أو جافة أكثر مما ينبغي. لقد فقدت إنسانيتها بسبب تركيزها على الماديات أكثر مما يجب. فالقطيعة التي أحدثتها مع التعالي الروحاني أو البعد الشعري جعلت الحداثة تبدو وكأنها بلا روح ولا قلب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولذلك يحاول فلاسفة الغرب اليوم تدارك هذا النقص أو الانحراف في بنية الحداثة الغربية. فقد كانت إنجازاتها التكنولوجية أكبر بكثير من إنجازاتها الروحية. أو قل إن التقدم الذي حصل على مستوى الصناعة والتكنولوجيا والعلم والطب وشتى مناحي الحياة لم يسايره تقدم مواز على المستوى الأخلاقي والروحاني. وهنا تكمن نقطة الضعف الكبرى في الحداثة الغربية بدون شك. ولكن هذا التوجه كان مفهوما في عصر فيلسوفنا الشهير لأن اللاهوت كان لا يزال طاغيا. وبالتالي كان بحاجة إلى رد فعل عنيف عليه. هكذا نلاحظ أنه ينبغي ربط الأمور بسياقاتها التاريخية لكي تفهم على حقيقتها. فحاجيات المجتمع الفرنسي في عهد كونت غير حاجياته الآن.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن لنعد إلى الماضي ولنواصل حديثنا عن أوغست كونت وكيفية تشكل هذه الحداثة الوضعية في بداياتها. فبعد أن نشر عدة مقالات في الصحافة السان سيمونية استطاع أن يخرج من عزلته وينال بعض الشهرة وعمره لا يتجاوز الرابعة والعشرين عاماً. وكان ذلك عندما نشر دراسة مطولة بعنوان: "مخطط الأعمال العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع". وفي هذه الدراسة نجد بذور كل أفكاره اللاحقة. فهو يقول فيها بما معناه: علينا أن نتخلص نهائياً من النظام المسيحي-الإقطاعي القديم الذي سيطر علينا طيلة قرون وقرون، ونحلّ محله نظاماً جديداً كلياً قائما على العلم والصناعة والتكنولوجيا. ولكن التيار النقدي التهديمي الموروث عن عصر التنوير والثورة الفرنسية لا يزال يحول دون تبنّي هذه العقلية البنائية الجديدة. ونحن لا نستطيع أن نعيش على النقد والهدم إلى ما لا نهاية.. وبالتالي فينبغي أن نتجاوز الجانب التدميري من الثورة الفرنسية لكي ننتقل إلى مرحلة التعمير، والبناء، والتنظيم وإيجاد البديل. وعندئذ طرح كونت لأول مرة نظريته المشهورة باسم: فلسفة التاريخ. وقال بأن تاريخ البشرية يمر بمراحل ثلاث: المرحلة اللاهوتية، فالمرحلة الميتافيزيقية (أو الانتقالية الوسيطة)، فالمرحلة العلمية أو الوضعية. وهي آخر مراحل البشرية تطوراً. هذا هو الاكتشاف المعرفي الكبير الذي لمع في رأس اوغست كونت وهو لا يزال شاباً في مقتبل العمر. ومعلوم أنه سيقود كل حياته اللاحقة وكل كتاباته ومشروعه الفكري.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولكن القطيعة مع أستاذه لم تكن فورية أو مباشرة على الرغم من بداية التنافس بينهما. ومعلوم أن كل تلميذ نابغة سوف ينقلب على أستاذه يوما ما لكي ينطلق بجناحيه فقط أو لكي يضيف شيئا جديدا بكل بساطة. وهذه سنَّة الحياة وقانون الكون. والواقع أن كونت هرع لمواساة سان سيمون بعد أن حاول هذا الأخير الانتحار نظراً لظروف عديدة. وهنا نتوقف لحظة لكي نتساءل: كيف يمكن أن نعطي مصداقية لفيلسوف ينتحر أو يحاول الانتحار؟ كيف يمكن لفيلسوف كهذا أن يصوغ المشروع الحضاري للغرب؟ هنا أيضا فوجئتُ بأشياء في الغرب ما كنت أعرفها. فنحن في العالم العربي أو الإسلامي نحتقر كل شخص يلجأ إلى مثل هذه الطريقة ونعتبر كل أعماله السابقة لاغية. ولكنهم في الغرب لهم وجهة نظر أخرى. فالمفكر ليس معصوماً عن الخطأ أو الزلل وليس عارياً من النقص والضعف. بل إن إنجازاته المعرفية تنهض على نواقصه وتحصل كتعويض عن نقاط ضعفه... وسوف نرى لاحقاً أن اوغست كونت نفسه تعرض أيضا لهزات نفسية خطيرة وضعته على حافة الجنون أكثر من مرة. ومع ذلك فلا أحد يشك في أنه أحد كبار الفلاسفة! وهناك أمثلة اخرى عديدة على ذلك ليس أقلها نيتشه أو ميشيل فوكو أو التوسير الخ...&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;مهما يكن من أمر فإن الخلافات اندلعت بين التلميذ والأستاذ، لأن الأستاذ يعتبر التلميذ دائماً طفلاً وينزعج كالأب إذا ما كبر وحاول الاستقلالية عنه... يضاف إلى ذلك أن سان سيمون كان يعطي الأولوية لتغيير المؤسسات، في حين أن اوغست كونت كان يفكر أولاً بتغيير العقائد والأفكار. و على هذا النحو شرع كونت باكتشاف القوانين التي تتحكم بتطور الجنس البشري. وقال بأن الجنس البشري يخضع لقوانين مشابهة لتلك القوانين التي تتحكم بالعالم الفيزيائي أو المادي. وعندئذ راح يتحدث عن بلورة علم جديد يدعى بالفيزياء الاجتماعية، وذلك قبل أن يتوصل إلى اكتشاف مصطلح السوسيولوجيا، أي علم الاجتماع. وهنا تكمن إحدى الميزات الأساسية للحداثة الغربية. وهي ميزة تصدم أيضا حساسيتنا نحن الشرقيين. لماذا؟ لأنها تختزل الإنسان إلى مجرد قوانين علمية ومعادلات رياضية.. وهكذا ينزعون عن الإنسان تلك الصورة المثالية الرائعة التي ورثناها عن الماضي لكي يحولوه إلى مجرد ماديات محسوبة بدقة.. طالما صدمتني هذه الظاهرة في عقلية الغربيين وطالما طرحت عليّ مشكلة.. ولم أستطع فهمها أو حلها قبل أن أنخرط في دراسات معمَّقة عن كيفية تشكل الحداثة الغربية. لزمني مرور أكثر من عشرين سنة لكي أفهم الأسباب. وخلاصة هذا الفهم هو هذه المقالات التي أقدمها هنا...&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;مهما يكن من أمر فإن المشاريع العلمية لاوغست كونت راحت تضطرب شيئاً ما بسبب تقلبات حياته العاطفية. فقد تعرف على عاهرة –نعم عاهرة!- عام 1825 وتزوجها... فبما أنه كان قبيحاً جداً فإنه ما كان يستطيع أن يجذب أي امرأة إلا عن طريق الفلوس... وهذا ما قاله حرفياً في وصيته التي وجدوها مكتوبة بعد موته. وكان يعتقد بأن زواجه منها سوف يربطها به إلى الأبد ويجعلها تشعر بالامتنان نحوه لأنه أنقذها من حمأة العهر واحتقار الناس لها ولأمثالها. ولكنه ما كان يعرف أن مشاكله الحقيقية سوف تبتدئ منذ الآن فصاعدا. فالمرأة كانت جميلة وتدعى كارولين ماسّان. ولم تقطع علاقتها بحاميها السابق أي القواد، بل وفرضت على زوجها أن يستقبله في بيته وهو يعلم أنها تنام معه! فجنَّ جنونه واضطرب عقله، وكان أن حصلت معه الأزمة النفسية الشهيرة عام 1826. وقد حصلت في وضح النهار، أمام الناس، عندما كان يلقي دروسه عن الفلسفة الوضعية. وكان من بين الحاضرين شخصيات مشهورة من بينها أعضاء في أكاديمية العلوم بالإضافة إلى فلاسفة مهمين. وكانت المفاجأة الكبرى: فالأستاذ يقع في وسط القاعة مغمياً عليه، ثم يفيق لكي يبتدئ بالهذيان والجنون!... وعندئذ اقتادوه إلى أكبر مستشفى للأمراض العقلية في فرنسا، وأشرف على معالجته أشهر الأطباء. وهناك تعرض "للدوش" البارد طيلة سبعة أشهر ونصف، بالإضافة إلى معالجات أخرى، ولكنه لم يُشفَ. ومع استطالة مرضه راحت زوجته تهجم عليه في المستشفى وتقوده إلى البيت بدون إذن الطبيب. وهناك فوجئ بأنهم أحضروا الكاهن من أجل القيام بمراسيم الزواج الشرعي على الطريقة الدينية المسيحية. وفيما كان يهذي ويشتم الكهنة ورجال الدين راح يوقع على زواجه الكنسي! وكان منظراً سوريالياً مضحكاً أو مبكياً، لا فرق. ولكن أمه الكاثوليكية المتدينة جداً وصلت إلى غايتها. فهي التي نظَّمت هذا الزواج الديني وهي التي أرادته. ثم دفعت له أجور المشفى على الرغم من أنه لم يكن قد شفي بعد. ولكن هل سيشفى أوغست كونت تماماً يوما ما؟ فالواقع أنه انتكس وسقط في المرض النفسي بعدئذ أكثر من مرة. بل وحاول الانتحار عام 1827 عندما ألقى بنفسه من أحد الجسور الباريسية المطلة على نهر السين. ولكن صادف سقوطه مرور أحد رجال الشرطة فانقضَّ عليه وانتشله. والغريب العجيب أنه بعد ذلك بسنتين فقط استعاد قواه العقلية إلى الدرجة الكافية التي تسمح له باستئناف دروسه عن الفلسفة الوضعية في منزله. وهي الفلسفة التي سوف تسيطر على عقلية الغرب والغربيين طيلة العصر الصناعي، بل وحتى هذه اللحظة بشكل ما.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وكان آخر جزء من الفلسفة الوضعية، أي الجزء السادس، قد صدر عام 1842. وهذه الأجزاء أو الدروس مجتمعةً تشتمل على جميع الاختصاصات والعلوم التي كانت سائدة في عصر اوغست كونت. إنها خلاصة الفكر والعصر. فهي تشتمل على العلوم الأساسية: كالرياضيات، والفلك، والفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا. ولكن نصف الدروس كان مكرساً للفيزياء الاجتماعية، أي لدراسة المجتمع. وهو المصطلح الذي كان يستخدمه قبل أن يتوصل إلى اختراع مصطلح السوسيولوجيا: أي علم الاجتماع.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وفي الافتتاحية العامة لهذا الكتاب الضخم يستعرض كونت بشكل مفصل هذه المرة نظرية المراحل الثلاث من تطور البشرية. وهي النظرية التي بقيت منه وأشهرته في عالم الفكر. يقول بما معناه: كل واحد من تصوراتنا الأساسية، وكل فرع من فروع المعرفة يمر تدريجياً، وعلى التوالي، بثلاث مراحل نظرية مختلفة. المرحلة الأولى هي المرحلة اللاهوتية أو الخيالية، والمرحلة الثانية ندعوها بالميتافيزيقية او التدريجية، والمرحلة الثالثة هي العلمية أو الوضعية. وينتج عن ذلك ثلاثة أنواع من الفلسفة. ففي المرحلة اللاهوتية تحاول الروح البشرية أن تفسر المسببات الأولى والغايات النهائية. وهي تعتقد عندئذ أن الظواهر الطبيعية تنتج عن القوى الخارقة للطبيعة وتأثيرها المباشر والمتواصل. وتعتقد أن الكون كله خاضع للنزوات الاعتباطية لهذه القوى. وفي مثل هذه الحالة البدائية يكون هدف المجتمع هو التوسع عن طريق الفتوحات والحروب. وتكون المؤسسة المركزية للمجتمع قائمة على نظام العبودية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ثم تتطور البشرية قليلا بعدئذ وتدخل في المرحلة الميتافيزيقية. أو قل ان البشرية تنتقل من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية. وهي مرحلة مترجرجة انتقالية تحل فيها القوى التجريدية محل القوى الخارقة للطبيعة. ونقصد بالقوى التجريدية هنا القدر، أو المصير، أو المبدأ الحيوي الذي يحرك الكون، أو الطبيعة. وعندئذ تبتدئ الملاحظة البشرية بالتحرر من الخيال إلى حد ما. ولا تعود فعاليات البشر فقط عسكرية. وأما نظام الرق والعبودية فيتم إلغاؤه تدريجياً.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وأخيراً تنتقل البشرية إلى المرحلة الثالثة من مراحل تطورها: وهي المرحلة الوضعية. وعندئذ نشهد تطور العلوم والصناعة، ولا تعود الروح البشرية تبحث عن أصل الكون وغايته ومآله، أو من أين جئنا والى أين المصير... وإنما تحاول أن تكتشف عن طريق المحاجة العقلانية والملاحظة العيانية والتجريب القوانين الفعلية التي تتحكم بالظواهر. و الواقع أن الإنسان نفسه يلخص في مساره الشخصي حياة البشرية كلها. يقول اوغست كونت مختتما: من منا لا يتذكر أنه كان لاهوتياً في طفولته، وميتافيزيقياً في شبابه، ووضعياً في كهولته &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ونضجه؟... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الكاتب - مجهول&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-49861954379980219?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/49861954379980219/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_9801.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/49861954379980219'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/49861954379980219'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_9801.html' title='أوغست كونت و تأسيس الحداثه الغربيه ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-5360404744304561263</id><published>2010-04-11T02:23:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T02:25:56.735+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>المسافه بين المثقف العربي و الأوروبي ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;تفاوت مسافته مائتا سنة بين المثقفين العرب والأوروبيين&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;مراجعة الحداثة وتقييمها.. قراءات في فكر هيدغر، وهابرماس وأريك فيل&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;  هاشم صالح&lt;/span&gt; &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الحداثة كلمة سحرية ذات جاذبية مغناطيسية بالنسبة للمثقفين العرب والمسلمين أو لمثقفي العالم الثالث بشكل عام. فالجميع لا يحلمون إلا بها، وبكيفية التوصل اليها أو الدخول الى جنتها، والأمر ذاته ينطبق على السياسيين بالطبع. انظر كيف يتراكض قادة تركيا الاسلامية الى الانضمام للوحدة الاوروبية بأي شكل.ولكن الحداثة بالنسبة لمثقفي اوروبا أو الغرب بشكل عام لم يعد لها هذا الوهج الاشعاعي الذي كانت تتمتع به سابقاً. لقد اصبحت عبثاً او مشكلة. لقد تراكمت حتى اصبحت تراثاً! والتراث بحاجة الى تفكيك، الى تشخيص، الى علاج. ان طرح المسألة على هذا النحو يبين لنا حجم التفاوت التاريخي الذي يفصل بين العالم العربي ـ الاسلامي من جهة والعالم الاوروبي ـ الاميركي من جهة اخرى. فالمسائل التي تشغلنا نحن كانوا قد حلّوها منذ مائة سنة على الاقل، والمسائل التي تشغلهم تبدو لنا ترفاً ميتافيزيقياً غير مفهوم لأن ما يحاولون التخلص منه نحاول نحن التوصل اليه!.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لأوضح الأمور بشكل اكثر. في هذا الكتاب الضخم الذي يحاذي الثمانمائة صفحة من القطع الكبير يقدم الباحث الفرنسي ايتيان غانتي مراجعة شاملة لتجربة الحداثة من خلال اعمال ثلاثة من كبار الفلاسفة هم: هيدغر، هابرماس، اريك فيل. والباحث المذكور هو استاذ الفلسفة في جامعة شارل ديغول بمدينة «ليل» بشمال فرنسا. وابحاثه عموماً تتركز على الانثربولوجيا الفلسفية والفلسفة الاجتماعية والسياسية. كما انه مهتم بدراسة الفلسفة المعاصرة في حوارها مع التراث الكبير للفلسفة المثالية الالمانية: اي فلسفة كانط، فيخته، شينغ، هيغل.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;سوف اركز على الفصول المكرسة للفيلسوف الالماني المعاصر هابرماس مهملاً بذلك الفصول المكرسة لهيدغر واريك فيل. والواقع انه حتى الفصول المكرسة لهابرماس يصعب الالمام بها في مقالة واحدة، فما بالك بالكتاب ككل؟!.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;يضاف الى ذلك ان هابرماس لا يزال حياً ومؤثراً بشكل مباشر على الساحة الثقافية الاوروبية بل والاميركية في مجملها. انه النجم الفلسفي الوحيد المتبقي بعد رحيل العباقرة من امثال سارتر، هيدغر، فوكو، ديلوز، الخ. كما انه يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر على الاحزاب السياسية الاشتراكية الديمقراطية، وكذلك احزاب البيئة والخضر في المانيا أو غير المانيا. وهو يتدخل بشكل دوري في الاحداث السياسية الهامة عن طريق التعليق عليها أو نقدها في الصحف الكبرى.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ومنذ ان كان قد نشر كتابه عن «الخطاب الفلسفي للحداثة» اصبح واضحاً ان الرجل يريد ان يقود المعركة الفكرية على مستوى الغرب ككل. فهو يريد ان ينقذ الحداثة ـ أي الحضارة الاوروبية في الواقع ـ من براثن مهاجميها ومنتقديها.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وهو يرى ان اعداء الحداثة ينقسمون الى قسمين: قسم المحافظين الذين يحنون بشكل ارتجاعي الى الوراء، ولم يؤمنوا في اي يوم من الأيام بروح العصور الحدثية التي دشنتها الثورة الفرنسية قبل مائتي سنة. وقسم الفوضويين الذين يهاجمون الحداثة من الطرف المعاكس: اي من طرف اقصى اليسار الذي يهاجمها بصفتها رأسمالية، استغلالية، لاانسانية. وبالتالي فالحداثة مهاجمة من قبل اقصى اليمين واقصى اليسار في آن معاً. ولأنها اصبحت ـ مع كل انجازاتها العظيمة ـ مهددة من قبل الطرفين فإن هابرماس جهز كل مدفعيته الفلسفية الثقيلة للذود عنها. يقول مؤلف هذا الكتاب بما معناه:&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;في المقدمة العامة للكتاب «الخطاب الفلسفي للحداثة» يشرح لنا هابرماس بأن هذه المسألة اصبحت تشغله وتستحوذ على اهتماماته منذ عام 1980. في تلك السنة قدمت له مدينة فرانكفورت جائزة تقديرية احتراماً لعلمه ومؤلفاته. وفي هذه المناسبة ألقى خطابه الشهير: «الحداثة مشروع لم يكتمل». وفيها يعلن الحرب مباشرة على فلاسفة فرنسا الكبار من امثال: ميشيل فوكو، جاك دريدا، جان فرانسوا ليوتار، جيل ديلوز، بل ان المحاضرة تعتبر رداً على كتاب ليوتار الداعي الى تجاوز الحداثة الى ما بعد الحداثة. فقد رأى هابرماس ان هؤلاء الفلاسفة اصبحوا عدميين، أو فوضويين او حتى لا مسؤولين لأنهم يريدون الاطاحة بالحداثة ومنجزاتها جملة وتفصيلا. انهم يريدون الخروج من الحداثة او القفز عليها بأي شكل، ولذلك اخترعوا مصطلح ما بعد الحداثة وركزوا عليه كثيرا. انهم يريدون ان يطووا صفحة الحداثة بحجة انها أفلست او قادت البشرية الى كوارث الحربين العالميتين، وهيروشيما، والحروب الاستعمارية، ومحرقة اليهود (الهولوكوست)... الخ.&lt;br /&gt;وبالتالي فلعنة الله على الحداثة ومن جاء بها!.. هذا الموقف أثار حفيظة هابرماس ورأى فيه خطراً على كل منجزات الحضارة الحديثة وفي طليعتها: دولة الحق والقانون، وحرية التفكير والتعبير والنشر، وحرية الضمير والاعتقاد، وبقية الحريات السياسية والديمقراطية التي تتمتع بها المجتمعات الأوروبية والغربية بشكل عام.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;في الواقع ان فلاسفة فرنسا المذكورين ليسوا أول من انتقد الحداثة او حاول تفكيكها. فقد سبقهم الى ذلك فلاسفة مدرسة فرانكفورت. أي اساتذة هابرماس بالذات! فمعلوم انه كان تلميذاً لهوركهايمر ومساعداً لادورنو في الجامعة. وهذان الفيلسوفان اضطرا الى مغادرة المانيا في الثلاثينات من القرن العشرين خوفاً من بطش هتلر والنازية بسبب اصولهما اليهودية. نقول ذلك على الرغم من ان عائلة ادورنو كانت قد اعتنقت البروتستانتية، اي مذهب الالمان الاول. ولكن ذلك لم يجده نفعاً لأن الآيديولوجيا العنصرية والنازية ظلت تنظر اليه كيهودي مقنع.&lt;br /&gt;مهما يكن من أمر فإن هوركهايمر وادورنو عادا الى المانيا بعد انتهاء الحرب وسقوط الفاشية. وعندئذ صفَّيا حساباتهما مع الحضارة الاوروبية وعقل التنوير بالذات! ونشرا كتابهما الشهير: جدلية التنوير 1947.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وفيه يشنان حملة شعواء على العقل الغربي الذي أدى الى كل هذه الكوارث. وفي اثناء ردة فعلهما الهائجة على ما أصابهما من اضطهاد وعلى جرائم النازية ايضا لم يعودا يفرقان بين ايجابيات حضارة التنوير وسلبياتها: او قل بين الاستخدام السلبي للعقل، والاستخدام الايجابي.&lt;br /&gt;وهذا ما لا يستطيع ان يقبله هابرماس على الرغم من ادانته القاطعة للجريمة النازية. ففي رأيه ان هوركهايمر وادورنو فقدا صوابهما او تجاوزا الحدود في نقد العقل التنويري الذي صنع الحضارة الاوروبية كلها. وهو العقل الذي ولد في القرن الثامن عشر ثم ترعرع وازدهر وترسخ في القرن التاسع عشر.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ثم راح هابرماس يوسع اشكاليته الفلسفية لكي يصب جام غضبه على نيتشه لأنه أصل البلاء في رأيه. فهو أول من انقلب على العقلانية الفلسفية التي أسسها كانط وهيغل من قبل. وراح ينتقد الحداثة والعصر الديمقراطي بشكل لا مسؤول عندما اتهمه بأنه عصر القطيع.. وراح يمجد القيم الارستقراطية والنخبوية والحربية. وسار على خطه في نقد الحداثة والتكنولوجيا مارتن هيدغر.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ثم لحقهما على نفس الخط فلاسفة فرنسا المعاصرون من امثال: فوكو، وديلرز، ودريدا، وجان فرانسوا ليوتار... الخ. ولم يعودوا يحلفون الا باسم نيتشه وهيدغر.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وهذا ما يزعج هابرماس اشد الازعاج. فهو من اتباع كانط وهيغل لا من اتباع نيتشه وهيدغر. وبالتالي فالمعركة كانت محتومة بين الطرفين. وراح فلاسفة فرنسا واوروبا واميركا يحلمون بمبارزة فلسفية كبرى بين هابرماس الكانطي، وميشيل فوكو النيتشوي. ولكنها لم تحصل لأن فوكر مات بشكل مفاجىء عام 1984. ويقال بأن فوكو كان يحضر «لقمة فلسفية» مع هابرماس في باريس من اجل مناقشة فلسفة التنوير التي ترتكز عليها كل الحضارة الغربية. ولكن الموت لم يمهله. كانوا يريدون ان يغربلوا حصيلة التنوير بعد مرور مائتي سنة على انتصاره على العقل اللاهوتي المسيحي وصدور نص كانط الشهير: ما هو التنوير؟ كانوا يريدون ان يعرفوا ما هي ايجابياته، وما هي سلبياته. واين انحرف واين لم ينحرف... الخ.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;والمقصود بذلك متى انحرفت الحضارة الغربية عن الخط التنويري الصحيح، بل واستغلت التنوير كغطاء لتحقيق مآربها الاستعمارية والتوسعية، وحتى الاجرامية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وهي أعظم مناقشة فلسفية تشغل الغرب منذ ربع قرن ولا تزال. فكما ان مسألة التراث والحداثة، او نقد العقل العربي او نقد العقل الاسلامي هي الشغل الشاغل للمثقفين العرب اليوم، فإن مسألة نقد الحداثة وتجربة التنوير هي الشغل الشاغل لمثقفي اوروبا واميركا. ومجرد طرح الأمور على هذا النحو يبين لنا حجم التفاوت التاريخي الذي يفصل بين ثقافتنا وثقافتهم، بين همومنا وهمومهم. فنحن مشغولون بنقد العقل اللاهوتي أو الأصولي في حين انهم مشغولون بنقد عقل الحداثة وبالتالي فالتفاوت يصل الى مائتي سنة بالضبط! ولذلك يحصل صدام مروع، وعدم تفاهم بين الطرفين.. لكن هذه مسألة أخرى، فلنعد الى قضيتنا الاساسية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ما هو الاتهام الاساسي الموجه الى الحضارة الاوروبية من قبل زعماء مدرسة فرانكفورت او فلاسفة فرنسا المعاصرين؟ انهم يرون ان مشروع التنوير قد فشل. فهو بكل ما يمثله من علم حديث وافكار كونية من القانون والاخلاق وصل الى الباب المسدود أو انحرف عن مقاصده الأولية. صحيح انه نجح في السيطرة على الطبيعة عن طريق التكنولوجيا ونفذ بذلك شعار ديكارت الشهير: ينبغي ان نصبح اسياداً على الطبيعة ومالكين لها. صحيح انه وصل في المخترعات والمكتشفات الى حد غير مسبوق في التاريخ. ولكنه ارتكب ايضا ابشع انواع الاعمال اللاانسانية كالحروب العالمية، والاستعمارية، والجزائر، وفيتنام، وقصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية.. هذا دون ان نتحدث عن مأساة فلسطين التي لا تزال تنزف حتى الآن والتي يعتبر الغرب مسؤولاً عنها بشكل مباشر بدعمه المشبوه واللااخلاقي للحركة الصهيونية. وبالتالي فكيف يمكن لنا ان نثق بعقل التنوير بعد الآن؟ لقد علقنا كل آمالنا عليه واعتقدنا انه سوف يخلص البشرية من عصر الجوع، والهمجية، والبربرية، فإذا به يفاجئنا بهتلر والنازية! وبالتالي فإن هوركهايمر وادورنو يستخلصان النتيجة التالية من مسيرة الحضارة الغربية: صحيح ان العقل المستنير حررنا من الظلامية اللاهوتية والاصولية المسيحية ولكنه يحمل في طياته شهرة للتوسع والهيمنة لا تقاوم.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لقد تحول الى عقل قمعي، ادواتي، استغلالي، بارد، تكنولوجي، بعد ان كان في البداية عقلاً تحريرياً وانسانياً.. باختصار: لقد انحرف عن مساره الأول، وخان القضية الاساسية المتمثلة بتحرير البشرية كل البشرية وليس فقط اوروبا او اميركا.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هنا يتدخل هابرماس لكي يقول: كفى! كفى هجوماً على العقل والتنوير والحداثة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولكن ارفض ان اضحي بالايجابي بحجة السلبي.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هذا ما يقوله هابرماس باختصار شديد. ثم يضيف مردفاً: من اي منطلق تنتقدون العقل؟ انكم لا توضحون مواقعكم. وهل هناك من بديل عن العقل الا العقل؟ لا بديل اذن عن مشروع التنوير الا التنوير ذاته: ولكن منقحاً هذه المرة ومصححاً على ضوء تجربة القرنين الماضيين اللذين يفصلاننا عن كانط.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;نعم اذن لنقد الحداثة الغربية، ولكن لا، وألف لا لتدمير منجزاتها الايجابية التي لا تقدر بثمن.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ثم يطرح بعدئذ البديل عن طريق بلورة نظرية جديدة للعقل، نظرية توسع العقل العملي لكانط ولكل عصر التنوير. وهي ما يدعوه بنظرية العقل التواصلي او الحواري الذي ينبغي ان يقود المسيرة الحضارية في الفترة المقبلة. ولكن هنا نصل الى مشارف قضية اخرى لا نستطيع التوقف عندها في هذه المقالة. وربما عدنا اليها لاحقا لأنها تستحق وقفة خاصة، ومعمقة، وصعبة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;* مراجعة الحداثة وتقييمها. قراءات في فكر هيدغر، وهابرماس، واريك فيل.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;Penser la modernite. Essai sur Heidegger, Habermas, et Eric Weil.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;* المؤلف: ايتيان غانتي Etienne Ganty &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;* دار النشر: المطبوعات الجامعية ـ نامور&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-5360404744304561263?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/5360404744304561263/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1760.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5360404744304561263'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5360404744304561263'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1760.html' title='المسافه بين المثقف العربي و الأوروبي ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-1698537034390839730</id><published>2010-04-11T02:15:00.003+03:00</published><updated>2010-04-11T02:20:07.996+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>الماركسيه التاريخانيه في الفكر العروي ...</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الماركسية التاريخانية في فكر العروي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;منير الخطيب&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إشكالية التأخر الألماني، في القرن التاسع عشر، قياساً بالوضعيتين الإنكليزية والفرنسية، ولدت لدى المثقفين الألمان آنذاك شعوراً حاداً بذلك التأخر، فتلخصت التجربة الألمانية في احتداد بؤس المثقف، الذي رأى نفسه ضمير المجتمع ومنقذه في آن، وفي التهوين من مسألة التأخر رغم الاعتراف بها، والإعلان عن قيمة الميادين الروحية والوجدانية والأخلاقية كتعويض، لذلك تبلورت مكونات الأيديولوجية الألمانية في صفة مثالية ونزعة تاريخانية ومنطق جدلي. إلى أن جاء ماركس فاستوعب الأيديولوجيات الألمانية، لكنه لم يحافظ على إشكاليتها، ورفض الأجوبة التي تحتوي عليها ضمناً، ونزع عنها كل غرض قومي أو محلي ورفعها إلى درجة من الدقة والتجريد جعلتها جاهزة لكي يستعملها غير الألمان. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وضعية التأخر الألماني، وحالة الاستلاب التي كان يعيشها المثقف، وانفصال وعيه عن الواقع، ومجيء ماركس ورفضه أجوبة المثقفين الألمان عن هذه الوضعية، والتجريد الماركسي العظيم لهذه الإشكالية وجعلها إشكالية كونية، هي المقدمات التي جعلت المفكر العربي عبد الله العروي يصل إلى أهمية تبني ماركس التاريخاني من قبل مثقف العالم الثالث. ماركس التاريخاني هذا الذي سيظل ينبعث حياً مادام هناك بقعة متأخرة في عالمنا المعاصر. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;أولاً: ما مضامين الماركسية التاريخانية و تحديداتها ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1- إنها ماركسية تنطلق من وضعية التأخر التاريخي للعرب، هذا التأخر الذي هو تأخر أيديولوجي أساساً ، أي تأخر في الذهنية، نجم عن تفاعل الأوضاع التقليدية العربية مع وسائل الهيمنة الإمبريالية وأدواتها، بدءاً بالاحتلال المباشر وصولاً إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية على مقدرات مجتمعاتنا. والذهنية المتأخرة، حسب العروي، هي الذهنية المرتبطة بوضعية الاستهلاك، لا بوضعية الإنتاج، وهي متعارضة مع الذهنية المدنية التي تعني وجود "جو ثقافي مديني، يتواصل فيه الناس بسهولة وتتجه فيه اهتماماتهم نحو الإنتاج وتطويع الطبيعة".&lt;br /&gt;وهذا بالضبط ما هو متقدم في المدينة العربية "فلا غرابة أن نشاهد مجتمعاً مدنياً وتاريخياً يختار ثقافة بدائية وقبلية أسلوباً في التعبير؛ ولا غرابة بالتالي من وجود المثقف المتجه كلياً نحو الماضي والبعيد كلياً عن الحاضر، يتعلق بأهداب ثقافة لا تربطه بها أدنى صلة معقولة، تماماً كما كان الشاعر الأندلسي في القرن الخامس الهجري ينعم بالقصور الفاخرة والرياض العطرة فيما كانت روحه متجهة نحو صحراء لا يعرفها ولا يستطيع أن يعيش فيها". &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ظاهرة التأخر التاريخي المتفاعل مع ميكانزمات الهجمة الخارجية تؤدي إلى ظهور تقهقر قطاعي في المجتمع المتأخر. فنجد، على سبيل المثال، تجاور وتعايش التقدم التقني مع أيديولوجيات تخطتها البشرية "فينتج عن التبعية تطور عكسي وتقهقر قطاعي؛ أي إن المجتمع يتقدم أو يتغير في بعض قطاعاته، في حين لا تبقى قطاعات أخرى على حالها، كما يتبادر إلى الذهن، بل ترجع عضوياً وضرورياً إلى مراحل تخطتها في الماضي". &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;البنية المجتمعية المتأخرة، باختصار، متأخرة عن البنيان الاقتصادي، والوعي الأيديولوجي متأخر عن البنية الاجتماعية، ومن ثم، لا يمكن الإفلات من أسر التأخر إلا بإيجاد "الإيديولوجيات المنتجة عضوياً والتي يستخلص منها برنامج مستوف لشروط الاستيعاب والشمول، يجد فيه المجتمع العربي صورة واقعية ومقنعة تدمج ماضيه وتطلعات حاضره". &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولا يمكن الإفلات من أسر التأخر الذي يتجلى في سيادة الفكر الوسطوي والانتقائي والتلفيقي إلا بثورة ثقافية كوبرنيكية تخرج الفكر العربي من دائرة الذاتية إلى دائرة الموضوعية. ولا يمكن تجاوز حالة الفكر اللاتاريخي إلا بالخضوع لمنطق التاريخانية الذي يتحدد مفهومه في صيرورة الحقيقة، وإيجابية الحدث التاريخي وتسلسل الأحداث ومسؤولية الأفراد. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الأيديولوجية العربية المعاصرة بأقسامها الثلاث التي عبر عنها الشيخ والليبرالي والتقني والتي سيطرت على حياتنا الفكرية منذ مطلع عصر النهضة تسم الثقافة العربية بالانتقائية واللاتاريخية والسلفية والوسطوية... إلخ. وهذا الاستلاب في الأيديولوجية العربية المعاصرة هو المولد للنزوع التاريخاني، وهو مبعث الحاجة إلى ماركس التاريخاني كما في الأيديولوجيات الألمانية في زمن ماركس. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;2- الماركسية التاريخانية، بخلاف الماركسيات الأرثوذوكسية التي انطلقت من النصوص ورسم خطوطها الأساتذة والباحثون، تستدعي الفكر الليبرالي التنويري للقرنين السابع عشر والثامن عشر، الذي حاربت به البورجوازية الصاعدة فكر القرون الوسطى الظلامية. فإن ماركس التاريخاني يجب أن يتأسس في مجتمعاتنا المتأخرة على جذره الليبرالي. فماركس هو ابن ديكارت وسبينوزا وليبنتر. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;"لقد عرفت الإنسانية الحديثة ثورة دينية وثورة ديمقراطية وثورة صناعية، كل واحدة تعبر في ميدان خاص وبكيفية خاصة عن تطور المجتمع كوحدة متكاملة. ونتجت عن هذه الثورات انقلابات في الفكر تستحق أيضاً اسم الثورات: العلمية والتاريخية والعقلانية، وقد عبرت عن هذه الثورات أيديولوجيات مختلفة، أهمها الليبرالية والاشتراكية". فالحداثة في المجتمعات الغربية هي خلاصة هذه الثورات، والليبرالية والاشتراكية هما الخلاصتان الأيديولوجيتان في التعبير عنها. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الثورات الوطنية التي عرفتها المجتمعات العربية ضد الاستعمار الأوروبي لم تستوعب لا هذه الحداثة، ولا الأيديولوجية المعبرة عنها، أي الفكر الليبرالي التنويري. وإبان تلك الثورات الوطنية، لم يفرق العرب بين الغرب الاستعماري والغرب الديمقراطي الليبرالي، لذا كان هناك ارتباط وثيق بين المنطق التقليدي ومعاداة الاستعمار، وهذا المنطق التقليدي وضع الغرب كله في سلة واحدة، فوحد بين البوط العسكري الفرنسي وفرنسا الليبرالية التنويرية. من دون أن يعيش مرحلة الليبرالية. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الفكر التقليدي الذي يشكل الأرضية الأيديولوجية للمجتمعات العربية "مخالف في منهجية ومفترضاته للفكر الحديث، وهو لا يتحدد بأحكامه العينية بقدر ما يعرف بمنهجه المبني على أن الحقيقة موجودة كاملة في مكان ما وزمن ما يكشف عنها من حين إلى حين ودفعة واحدة ..". فلا بد من ثورة ثقافية تعم المجتمع العربي، بجميع فئاته، ويتغلب فيها المنهج الحديث لا في ثوب مستعار من الماضي، فالعالم من حولنا يؤثر فينا ولا نؤثر فيه، ولا أمل لنا في أن نؤثر فيه إذا انعزلنا فرحين بما لدينا من "حقائق" لا يفهما إلا نحن. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;يدعو العروي إلى التمييز الخصوصية التي هي بناء شخصية متميزة مستلهمة من معطيات الحاضر، من الأصالة، أي الإبقاء على نمط اجتماعي سلوكي لم يعد صالحاً للظروف الحالية لأنه لا وجود لظاهرة ثابتة في التاريخ. فالفكر العربي لم يستوعب مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وواقعية وإنسية، ومع ذلك فإن هذا الاستيعاب مهما تأخر سيظل على جدول الأعمال. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن اغتراب الفكر العربي، بشقيه السلفي والانتقائي عن منجزات العقل الحديث دعا العروي إلى طرح السؤال المهم: "كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب منجزات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة الليبرالية؟ فالشعوب التي تداركت حالة التأخر، كالشعب الألماني مثلاً، "جعلت أوروبا الليبرالية أفقاً لهدفها الثقافي ولهدفها السياسي" &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ولكن هذه الليبرالية التي يدعو إليها العروي هي مرحلة مؤقتة للوصول منها إلى الاشتراكية العصرية. لذا يقول "إذا كان لا بد من الاختيار بين المنهج التقليدي وبين الليبرالية فإني أختار هذه الأخيرة على أن أتجاوزها سريعاً نحو اشتراكية عصرية. لكني لا أحبذ اشتراكية على أسس تقليدية لأنها تكرس منطق الماضي". &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ويميز العروي بوضوح حاسم بين رفض المثقف العربي لليبرالية، ورفض المثقف الغربي لها، فالمثقف الغربي عندما يرفضها فهو يرفض شيئاً ملكه واستوعبه. إن أوروبا التي نادت بالليبرالية صارت اليوم في وضع يمكنها من تجاوزها. وما الحركات التي قامت كرد فعل على العقلانية إلا دليلاً واضحاً على هذا التجاوز، فالفوضوية التي تدعو إلى تقديس الفرد، والفردوية التي بدأت كمحاولة علمية عقلية لإدخال اللاوعي في نطاق الوعي والرومانسية الجديدة والسريالية التي ترمي إلى تكسير الأساليب العقلية والكلمات والتراكيب من أجل تحرير الحس والوجدان من أسر العقل، كلها محاولات لتجاوز العقلانية الليبرالية إلى آفاق جديدة. ولكن حبن يرفض المثقف العربي الليبرالية فإنه يرفض شيئاً لم يستوعبه بعد، لذا يغدو مجالنا الثقافي مفتوحاً للفكر التقليدي والسلفي. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;تؤكد الماركسية التاريخية ضرورة تبني الثقافة البورجوازية وضرورة تبني التراث الليبرالي خاصة، لأنه الوحيد القادر على أن يهزم التقليد. وإن سيرورة البرجزة هذه ستتم بدون طبقة بورجوازية، لأن الطبقة البورجوازية العربية بحكم تكوينها الاقتصادي والفكري غير قادرة على تحقيق ذلك. وتعميم التراث الليبرالي وتجاوزه في مجتمعاتنا العربية المتأخرة لا يمكن أن يحققه إلا القوى التي تتبنى الماركسية التاريخانية.&lt;br /&gt;إن نقد العروي للدولة القومية مبني على هذا الأساس، لأنها زاوجت ما بين نظرية الثقافية الاشتراكية والتقليد، وأرادت جمع المجد من أطرافه؛ فهي تريد المصالحة مع كل شرائح المجتمع ومع فكره السلفي من جهة، وتتطلع إلى امتلاك تقانة الغرب من جهة أخرى. والنظرية الاشتراكية لا يمكن أن تبنى إلا على أرضية ليبرالية. فكانت النتائج التي وصلت إليها متفارقة عن الأهداف التي رفعتها، ففشلت في موضوع التنمية المستقلة وفشلت في موضوع الاستقلال والوحدة والتحرير، وتحولت بذلك إلى أداة نهب لمجتمعاتها وأعادت إنتاج حالة التأخر بأشكال وصيغ جديدة. لذا أطلق المفكر الراحل ياسين الحافظ على النظم التي أقامتها اسم "تاخراكيات" أي اشتراكيات متأخرة. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;3- الماركسية التاريخانية تستوجب التعريب أو التجوين، فالماركسية التي وفدت إلينا مع سياسات الكومنترن وتعليماته ظلت ماركسية برانية وهامشية لم تنغرز في متن الثقافة العربية، فبقيت مجرد عرض بيداغوجي مبسط لمقولات في التاريخ والاجتماع والسياسة مأخوذة من مجتمعات بعيدة، كفلسفة يختار منها المرء ما يوافق مزاجه وأحواله، كهندام جديد مستعار للزينة والمباهاة، وبسبب هذا التعريب الناقص انحصرت الماركسية في مجموعة أحكام اعتبرت قوانين منزلة تستمد قيمتها لا من اختبار قدرتها على كشف منطق التطورات الاجتماعية والتاريخية، بل تستمد قيمتها من ذاتها، ومن كونها عقيدة دولة عظمى، فتحولت إلى عقيدة جامدة منفصلة عن الواقع، ولم تساعد على حل الغاز الماضي المندسة في الأنظمة الاجتماعية ونفسانية الأفراد. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;تعريب الماركسية ليس تعريباً للنصوص الماركسية الذي هو عملية بسيطة ومتيسرة، بل هو عمل فكري واجتماعي يتطلب جهداً كثيفاً من النخب العربية المثقفة تخضع بموجبه الثقافة والتاريخ والمجتمع والاقتصاد والطبقات للمنهج الماركسي، لا لنصوص دار التقدم وتعليمات الكرملين الكنسية. الماركسية الجوانية أو المعربة ينبغي أن تنشأ وتتلون بأوضاع الأمة العربية معاكسة بذلك الماركسيات الذاتية التي يختارها المرء عربياً كان أو غير عربي. إنها ماركسية تنشأ في كل مجتمع حسب متطلباته من أجل خلق مجال ثقافي تتوحد فيه طليعة مثقفة تكون نواة حركة تحديثية جديدة في المجتمع العربي؛ فمهمة النخبة المثقفة اليوم هي السيطرة على الساحة الثقافية العربية التي تركت طويلاً للفكر التقليدي، قبل السيطرة السياسية. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ثانياً: لماذا ماركس التاريخاني عربياً؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1- لأن إشكالية الأيديولوجيا الألمانية أعيد إنتاجها عربياً، ففي كتابه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" حاول العروي أن يوازن بين استلاب الأيديولوجيا الألمانية في القرن التاسع عشر وتأخرها، وبين واستلاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة وتأخرها منذ مطلع القرن العشرين. وحقبها في ثلاث مراحل أساسية: مرحلة الشيخ، ومرحلة الليبرالي، ومرحلة التقني، هذه المراحل الثلاث من تاريخ الأيديولوجيا العربية واكبت ثلاث دول متعاقبة هي الدول المستعمرة، الدولة المستقلة، الدول القومية. فالشيخ يحتفظ بالتعارض بين الشرق والغرب في إطار التعارض بين الإسلام والمسيحية ويتوهم أن المجابهة القديمة مستمرة. ورجل السياسة ينتهي به الأمر إلى الاقتناع بأن العقل ليس غائباً عن أوروبا سواء قدم إليها من الأندلس أو من مكان آخر، وبمقدار ما كان رجل الدين يبحث في كل مكان عن حجج جدالية ضد الكنيسة، فإن رجل السياسة يكف عن رؤية أوروبا على أنها مملكة للبابا والمطران، ويبدأ بملاحظة الإمبراطور والنبيل الإقطاعي ويدمج بين روسو ومونتسكيو، وينصرف إلى الإيمان بأن الإسلام لا يفرض تنظيماً دقيقاً للسلطات العامة وأنه يمكنه التلاؤم مع أي نظام حكم يختاره المسلمون ويغدو الإجماع الشرعي ميثاقاً ديمقراطياً حقيقياً مدعوماً بالطريقة التي اختارها الخليفة عمر لتعيين خلفه. أما داعية التقية فيرى أن الغرب لا يتحدد بدين خال من الأوهام ولا بدولة بريئة من الاستبداد، وإنما بقوة مادية اكتسبت بالعلم والعمل التطبيقي. وهذه النماذج الثلاثة هي استعادة لأشكال الوعي الغربي المتخطاة: الشيخ يعيد سيرة رينان وهانوتو والسياسي يردد آراء لوك وموتنسكيو، والتقني يستعيد مواعظ كونت وسبنسر، إنها استعادة لأشكال الوعي الغربي المتخطاة. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;فبعد هزيمة عام 67 تقدم الشيخ بعمامته وهو يردد "غلبنا بسبب فجورنا وعدولنا عن سامي الأخلاق" وقال الليبرالي "غلبنا لأن زعماءنا تفردوا بالحكم"، أما داعية التقنية فطالب بالمزيد من الآلات والمصانع الجديدة، وصفق الغرب لكل هذه الإجابات". الشيخ أمين للسلف الصالح وعنده التاريخ امتداد لفكرة الوحي والمستقبل هو استحضار لعصر ذهبي مضى منذ ألف وأربعمئة عام. والليبرالي وداعية التقنية جزأ كل منهما الغرب وانتفى منه ما يريد، بحيث لا تتعارض هذه الانتقائية مع الوفاء لقيم المجتمع التقليدي. لذا كانت "حداثتهما" حداثة مدلسة متصالحة مع التقليد وفقاً لتتقسيم العروي للأيديولوجيا العربية المعاصرة. فقد اتسم الفكر العربي بالسلفية أو الانتقائية وفي كلتا الحالتين كان فكراً مستلباً، لا تاريخياً، لا يرى الغرب كسياق وكوحدة تاريخية متكاملة على الصعد المعرفية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا أهمية التقاء النخبة المثقفة العربية مع الماركسية التاريخية التي تؤكد هذه الوحدة للغرب بحيزاته المختلفة. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;2- إن أهمية الماركسية التاريخانية للنخب المثقفة العربية لا تنشأ من تشابه وضعيتي التأخر: الألماني في القرن التاسع عشر، والعربي الراهن وحسب، بل من قضية أخرى لا تقل أهمية عن ذلك هي الصفة الكونية للماركسية التي تختزن في أحشائها الموروث الليبرالي الغربي، فهي تقوم بدور الاختزال التاريخي لمراحل التطور الغربي، وتمثل الخلاصة المنهجية للتاريخ الغربي، وهو ما لم ينِ الفكر العربي المعاصر يبحث عنه منذ ثلاثة أرباع القرن.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;3- إن ماركس التاريخاني الذي جب ما قبله، أي جب الميراث الليبرالي التنويري، قادر بتأويله ليبرالياً على القيام بتحديث الذهنية العربية وتحديث الفكر العربي الذي يعاني من حالة فوات تاريخي بالقياس إلى منجزات العقل الحديث. فالاشتراكية العصرية، وفقاً لهذا المنطق التاريخاني، لم تعد مجرد إجراءات اقتصادية تنموية تقرها النخبة "الماركسية" التي تستولي على السلطة وإنما هي قبل كل شيء أداة تحديث الفكر والعقل العربيين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;4- استخدم الفكر العربي مناهج غير مطابقة لأهدافه، فشعارات التنمية المستقلة والوحدة والتحرير .. إلخ التي رفعتها تيارات الفكر العربي، على اختلاف تلاوينها واتجاهاتها وصلت إلى نتائج مفلسة على هذه الصعد. ففشلت في تحقيق التنمية المستقلة وازدادت تبعية العرب للخارج، وفشلت في تحقيق الوحدة وازدادت التجزئة تجذراً واتساعاً وازداد الفقر والتخلف والجهل وانحدر وضع المرأة العربية إلى الدرك الأسفل. لماذا هذا التفارق بين الأهداف والنتائج؟ إن أحد أهم الأسباب في رأي العروي، هو استخدام مناهج غير مطابقة للأهداف. الفكر الماركسي التاريخاني يحقق هذا التطابق ما بين المنهج والأهداف المنشودة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ثالثاً: نهاية الشيخ والليبرالي والقومي داعية التقنية في نهاية القرن العشرين: &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;كتب العروي كتابه القيم "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" في أعقاب هزيمة 67 ، حينذاك كان المثقفون العرب لا يزالون مستسلمين لحالة من السكر الأيديولوجي، حجبت عنهم تضاريس الواقع العربي والعالمي وجغرافيته؛ أما وقد انقشعت بعض تلك الأوهام الأيديولوجية بعد إخفاق المشروع النهضوي، أو ما أطلق عليه اسم "محاولة النهضة العربية الثانية" التي مثلتها الناصرية وقادتها وأنضوت تحتها قوى اشتراكية وماركسية وقومية أخرى، فإلى أي مصير آلت تيارات الفكر العربي في "العصر الليبرالي"؟&lt;br /&gt;مصائر الشيخ والليبرالي والقومي التقنوي؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لقد انتهى الشيخ المتأثر بالصدمة الكولونيالية وبالمناخ الليبرالي التي أحدثته هذه الصدمة آنذاك من شيخ يقبل بالحوار ويحاول إيجاد مخرج مناسب للمزاوجة بين الشرع ونظام زمني لتنظيم حياة المسلمين إلى شيخ ظلامي تكفيري وإقصائي، ينقسم الناس، وفقاً لتصوره، إلى أهل الخير وأهل الشر وبالطبع فإن أهل الخير هم من يتبعونه. وانتهى الليبرالي على الصعيد العربي موضوعياً بحكم تلاشي الطبقة أوالشريحة الاجتماعية التي كان يمثلها، فالدولة القومية التي أرست قواعدها البورجوازية الصغيرة أقصته من الدولة والمجتمع على حد سواء أشد إقصاء. أما لليبرالية على الصعيد العالمي فانتهت إلى مفهوم الليبرالية الاقتصادية، ليبرالية السوق والبنك الدولي، فكانت نكوصاً عن ليبرالية القرن السابع عشر والثامن عشر، ليبرالية عصر التنوير الأوروبي، هذا النكوص يقبع في خلفية توجهات الليبرالية الاقتصادية الراهنة المتوحشة التي تريد الهيمنة على الكوكب الأرضي، بمعنى آخر، انتهت صدمة الحداثة في بداية القرن العشرين إلى الليبرالية الاقتصادية في مطلع القرن الواحد والعشرين.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;أما داعية التقنية البورجوازي الصغير الذي بنى الدولة القومية العتيدة، فقد انحدرت هذه الدولة من مشروع دولة وطنية أو جنين دولة قومية إلى دولة طغمة أو عشيرة، وانحطت إلى سلطات أوليغارشية، وهذه انحطت إلى مجرد تسلط، نزعت السياسة من مجتمعاتها وحولتها إلى مجتمعات رعوية لا حول ولا طول لها، مجتمعات فاقدة للأمن والأمان والحرية في زمن الليبرالية الاقتصادية المنفلتة من عقالها.&lt;br /&gt;باختصار شديد، انتهى الشيخ الإصلاحي محمد عبدو إلى أسامة بن لادن، وانتهى لطفي السيد موضوعياً على الصعيد العربي، أما عالمياً فقد انتهى إلى جور بوش. أما داعية التقنية الذي تبنى الاشتراكية القومية فيما بعد فقد انتهى إلى صدام حسين. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;في بداية القرن العشرين صار الشيخ الظلامي والليبرالي الاقتصادي والمستبد القومي منظومة واحدة قوامها الاستبداد والإقصاء والإرهاب ومعاداة الديمقراطية والليبرالية التنويرية وحقوق الأفراد، &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إنها منظومة ظلامية معادية برمتها للتقدم ولجوهر الإنسان وماهيته بوصفه إنسان العمل والإنتاج، التواق إلى الحرية وكسر أطواق الاستبداد. هذه المنظومة الظلامية المتوحشة تضع البشرية كلها في خطر، وهذه الخطر الراهن يجعل ماركس التاريخاني راهناً أكثر من أي وقت مضى، لإنقاذ البشرية من احتمال نكوصها إلى أزمان التوحش البدائية، ومن احتمال إفناء النوع البشري.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-1698537034390839730?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/1698537034390839730/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_4650.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1698537034390839730'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1698537034390839730'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_4650.html' title='الماركسيه التاريخانيه في الفكر العروي ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-1050822612906789261</id><published>2010-04-11T02:12:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T02:14:30.917+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>المــاديه و الثـنــائــيـه ...</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الماديه و الثنائيه &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;للكاتبه - نجوى&lt;/span&gt; &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الماديه والثنائيه&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;Materialism and Dualism&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   أحاول هنا تقديم وجهتا نظر والمقارنة بينهما , احداهما تبرر الموقف المادي ويمثلها الفيلسوف سيدني شوميكر , والثانية تحاول تقديم تفسير للمذهب الذي يدعو للثنائية , ويمثله الفيلسوف ديفيد شالمرز في مذهبه الثنائية الطبيعية Naturalistic Dualism .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   وأحاول هنا الاجابة على الاسئلة التالية :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; هل يمكن الربط بين مايسمية شوميكر "بالثنائية الدنيى" و ثنائية شالمرز ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهل تنطبق الشروط التي وضعها شوميكر حول الثنائية الدنيى مع الثنائية الطبيعية التي قال بها شالمرز ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;والى أي حد يتفق  شالمرز مع الثنائية الديكارتية أو الثنائية اللاديكارتية[1] ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهل يمكننا في النهاية الأخذ بوجهة النظر التي تطالب بالثنائية أو وجهة النظر القائلة أن الانسان عبارة عن مادة ؟&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   في البداية يحدد لنا شوميكر , بما يسمية بالثنائية الدنيى[2]Minimal Dualism  وشروطها التي لابد من التقيد بها عند كل مذهب قائل بالثنائية .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1-  ان الاحوال الذهينة تعتمد على أحوال الجوهر اللامادي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2- كل الارتباطات السببيه , التي تتضمن أحوالا ذهنية بين المدخلات الحسيه , والمخرجات السلوكيه تتوسط فيها أحوال الجوهر اللامادي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;3-  من الممكن أن يوجد الشخص كموضوع من الأحوال الذهنيه , بدون أن يمتلك جسدا&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; ويعرض شالمرز مذهبه في الثنائية الطبيعية من خلال أربع مقدمات يحاول الالتزام بها&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1-  التجربة الواعية موجوده .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2-  تجربة الوعي لا تنبثق منطقيا عن المادة .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;3-  ان وجدت ظواهر لاتنبثق منطقيا عن المادة , اذن المادية غير صحيحة .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;4-  المجال المادي سببيا مغلق .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   الشروط الثلاث الأولى , والتي تشترط القول بالثنائية في حدها الأدنى , يمكن ايجاد القاسم المشترك بينها وبين مقدمات  الثنائية الطبيعية التي دعى اليها ديفد شالمرز . فالثنائية الطبيعية لاتنكر الشرط الاول من الثنائية الدنيى والقائل أن الأحوال الذهنية تعتمد على أحوال الجوهر اللامادي , الذي قد يقابله عند   الثنائية الطبيعية المقدمة الثانية : تجربة الوعي لا تنبثق منطقيا عن المادة .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   لذك وجب أحد الأمرين , إما ان تكون تجربة الوعي منبثقه عن المادية أو اللامادية منطقيا , وان انكرت الثنائية الطبيعية انبثاقها منطقيا عن المادة , اذن هذا يعني أنها منبثقه عن اللامادية , وبذلك تتفق مع شرط الثنائية الدنيى الأول .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   والشرط الثاني من الثنائية الدنيى القائل بأن كل الارتباطات السببيه , التي تتضمن أحوالا ذهنية بين المدخلات الحسيه , والمخرجات السلوكيه تتوسط فيها أحوال الجوهر اللامادي , يمكن أن يتوافق مع الشرط الأول[3] أيضا للثنائية الطبيعية الداعي لوجود الوعي , فذلك يتوافق مع مايسمى بالجوهر اللامادي عند الثنائية الدنيى , والذي يتوسط المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية. كما أن الثنائية الدنيى في الشرط الثاني تجعل الارتباطات السببيه المتضمنه الأحوال الذهنية هي الرابط والوسيط بين المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية , قد تتفق في هذا مع الثنائية الطبيعية حول أن التفاعل السببي بين الأحوال المادية واللامادية خاصة في الشرط الأخير للثنائية الطبيعية القائل أن المجال المادي مغلق سببيا , فهذا يتضمن التفاعل بين الأحوال المادية واللامادية وهذا التفاعل هو ماتقره أيضا الثنائية الدنيى بجعل الأحوال الذهنيه (اللامادي) رابط وحلقة وصل بين المدخلات والمخرجات  (المادية) والتي بدون هذا الرابط وهذا التفاعل قد لا ينشى لدينا أي ترابط بين المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; فلو تخيلنا لعب طفل بمسدس حقيقي (مدخل حسي) , وانطلاقة رصاصة من هذا المسدس , لو كان لهذا الطفل أحوالا ذهنية, لكان يفترض من ذلك أن يكون هناك مخرج سلوكي ملائم كردة فعل .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   أيضا القول بالثنائية الطبيعية يستلزم القول بوجود الكيانات التي تتشكل بدون ماده أو التي تتشكل بالروحانيات . وهذا مايؤكد الشرط الثالث من شروط الثنائية الدنيى الداعي انه من الممكن أن يوجد الشخص كموضوع من الأحوال الذهنية , بدون امتلاكه للجسد , وهذا مايتفق أيضا مع الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود" فالتفكير حال ذهني لايمكن أن ينبثق عن المادي إذن فالشخص ممكن أن يوجد دون أن يكون لجسده وجود.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;      ولكن في مقدمات شالمرز الاربعة يمكن أن نقول أنه يضيف مقدمة اكثر صراحة وهي المقدمة الأولى الخاصه بالتجربة الواعية , وهي مقدمة لاتنص عليها شروط الثنائية الدنيى , إلا أنها لا تتعارض معها أيضا .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;    في مقالة سيدني شوميكر يستعمل الحجه الأساسية عند الثنائيين الديكارتيين وهي  أن الجواهر اللامادية هي بسيطة وغير قابلة للتجزأه وبالتالي خالده , وهو ينطلق من المقدمة التاليه[4] :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1-  هناك وحدة وعي اذن غير قابلة للانقسام&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2-  الشخص إما أن يكون جوهر مادي أو غير مادي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;3-  الجوهر المادي ليس بسيطا&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;\ الشخص جوهر لامادي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وكذلك نجد التزام الثنائية الطبيعية في المقدمة الأولى مع الثنائية الدنيى , وهي القول بوحدة الوعي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; وشوميكر ينتقد هذه الحجة  من أنه لسنا بحاجة لرفض المقدمة الأولى حتى نرفض الحجة , وهذا اعتراف ضمني في قبول الوعي باعتباره وحده غير مجزأه وهذا يستلزم أنه لا مادي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;    يعرف شوميكر الجوهر اللامادي عند الثنائية اللاديكارتية بأنه جوهر له خواص[5] , وهي خواص غير مشتقة من الأحوال المادية , أو التي تكون جزئيا مادية , فالجوهر اللامادي هو الذي لديه خواص ليست مادية وليست جزئية فوجود الجواهر يتكون من وجود مادي ولامادي , وهذا مايتفق أيضا مع مادعى إليه شالمرز في تصوره حول احدى فئاته الثلاث للتصورات الممكنه حول طبيعة التجربة الواعية , التي يؤكد فيها على الثنائية من حيث الخواص , وهذه الخواص تسمح بالتفاعل السببي للثنائية التي يدعو إليها . فالتفاعل السببي يمكن أن يقوم بين ظاهرة ذهنية وظاهرة مادية توجد ظواهر لا تنبثق منطقيا عن المادي بل تنبثق عن الخواص (الطبيعية ) .  فثنائية الخواص هي البديل الوحيد والمعقول اذا كنا قد اخذنا الوعي على محمل الجد .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   هناك ثلاثة أشكال للربط بين الظواهر :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1- خواص تربط بين الظواهر المادية ومادية أخرى ( ظاهرة تمدد المعدن والحراره ) . وهذا ماتدعو اليه المادية في طرحها .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2-  بعض الأحداث تؤدي لأحداث ذهنية أخرى ( الاكتئاب ينشأ من حالة تذكر ) .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;3-  احداث ذهنية وأخرى مادية , ( احمرار الخد الناشئ عن الخجل ) . وهذا مايدعو  اليه المذهب الثنائي.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;     يتفق شالمرز مع ماتدعو اليه الثنائية اللاديكارتية في طرحها كما عرضها شوميكر  فهو أولا يرفض اعتبار الاشخاص  في هوية مع الجواهر اللامادية , فالأحوال اللامادية تتوسط الأحوال السلوكية والحسية  والتفاعل بينهما ,  كما أن موقفه يعتبر متسق منطقا , على الرغم من صعوبة تقديم اجابة أو تفسيرا حول   العلاقه بين المادي واللامادي , ولا يخرج تفسيره عن القوانين النفسمادية التي تربط بين الخواص المادية والخواص الغير مادية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;المخ والجواهر اللامادية :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   يوحد شوميكر بين الوعي أو الأنا من ناحية  وبين المخ من ناحية أخرى, وان قولنا ان الأحوال الذهنية تعتمد على الجوهر اللامادي , يعني عنده أن , الأحوال الذهنية تعتمد على المخ , وأن المخ يلتزم بالأحوال الثلاثه المذكوره للثنائية الدنيى .وبذلك يرد على الثنائية الطبيعية فيما يتعلق في طبيعة الوعي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   والثنائية الدنيى تدعو للتفاعل السببي بين الأحوال الجوهر المادي  , والأحوال الذهنية , وتدعو إلى أن أحوال الجوهر اللامادي تتوسط المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;  فما يقوله الثنائيين عن الجواهر اللامادية هو نفسه مايؤكده الفلاسفه [6]حول المخ كوسيط يقوم بين المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية وهو الذي يتحكم في هذه العلاقة السببية . وبذلك تجعل المادية المخ البديل المناسب (والمادي) والأكثر منطقية ومعقولية ,  عن افتراض وجود الأحوال اللامادية , حتى عندما نقول أن الأحوال الذهنية تعتمد على الجوهر اللامادي , فالمخ هو الذي تعتمد علية الأحوال الذهنية .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;     ويذكر شوميكر فالعقل يلتزم بالشروط الثلاثه التي قالت بها الثنائية الدنيى , فهو :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;1-  أن الأحوال الذهنية يمكن أن تعتمد على العقل .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;2-  يمكن للمخ أن يقوم مقام الرابط السببي بين المدخلات الحسية والمخرجات السلوكية .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;3- ممكن أن يوجد الشخص كموضوع , طالما وجد المخ , فالمخ ممكن أن يقوم بدوره حتى لو لم يوجد الشخص , ( ويفترض هنا امكانية تبديل المخ من جسم لآخر , وامكانية قيامه بعمله بدون جسمه) .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   وبذلك يحل المخ محل الجواهر اللامادية , ولكن شوميكر هنا قد يكون قد وحد بين الشخص والمخ .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;خاصة في النقطه الثالثة  , وهي أن وجود الشخص مرتبط بوجود المخ , وهذا مايخالف اطروحة الثنائية الدنيى وهي أنه من الممكن أن يوجد الشخص كوموضوع بدون وجود الجسد , وعند طرح المادية المخ كبديل عن الجواهر اللامادية , تكون المادية بذلك قد خالفت الشرط الثالث من شروط الثنائية , لان المخ له وجود مادي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;  فقد ينطبق الشرط الأول والثاني من شروط الثنائية الدينى على ماتدعو اليه الفلسفة المادية بخصوص المخ  ولكن لا يمكن أن ينطبق الشرط الثالث على المخ , حتى لو قمنا بافتراض امكانية قيام المخ بعمله بدون أن يرتبط بالجسد الخاص به . &lt;br /&gt;&lt;br /&gt;خاتمة :&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;     في الاتجاهين لا يرد احدهما على الآخر  بشكل حاسم , فكلاهما يرتكز على نقاط قوة ويقع في النقص .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;  فالأرض الصلبة التي يقف عليها أصحاب الاتجاه الثنائي أنهم يركزون على أطروحة أن التجربة الواعية   غير منبثقة منطقيا عن المادة وهذا ماتعجز المادية عن اثبات نقيضه , والاطروحه الأقل صلابة هي قول الثنائية الطبيعية  بأن الوعي موجود .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;  فإنه يمكن اثارة اعتراضات كثيرة حول هذه النقطه الأخيرة والتشكيك بوجود الوعي كمظهر لامادي , فديكارت نفسه جعل ضمانة الوعي وجود كائن عظيم خيَر يضمن لنا أننا نعي .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   كذلك المادية التي يمثلها شوميكر , تعتبر مادية غير متطرفه في موقفها , فهي  تقوم على أطروحات قوية , أكثر اقناعا من الثنائية وذلك لاعتمادها على النواحي العلميه في تبريراتها وطرح البدائل العلمية كحلول لبعض المشاكل المتعلقه بالجانب اللامادي في الانسان ( مثل مشكلة الخلود وتلازمها مع الجوهر اللامادي ) .&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;  كذلك لا يختلف شوميكر كثيرا في طرحه مع شالمرز فهو يقبل بالوجود اللامادي (مثال المحكمه العليا)  ولكنه يقيد ذلك ان التفاعل السببي بين اللامادي والمادي يشترط المكان أو شبة المكان.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; فقول شالمرز أن وعي الانسان واحد وغير منقسم بينما المادة منقسمه , شوميكر يرد على ذلك بمطالبته انه لابد من وجود مكان أو شبه مكان , حتى يمكن أن نقر بوجود التفاعل السببي بين الجواهر اللامادية والمادية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;   يعتبر الاتجاه الثنائي أكثر قربا للانسان باعتباره الاتجاه المعبر بشكل أكثر" انسانية" عن حقيقة الانسان . فقد يكون القبول العام للثنائية منطلقا من الموروث الديني للكثيرين , فالدين يفترض ثنائية الروح والجسد&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وبالتالي خلود الروح , تحقيقا لفكرة العقاب والثواب. كما أن القبول العام للثنائية قد ينطلق كذلك من الرفض أن يتقبل الانسان أن وجوده  هو وجود مادي بحت يخلو من الجانب الغير خاضع لأي عملية كيمائية وفيزيولوجية وأن لا يشبه الوجود الانساني بوجود الأله .وهذا مايدعو اليه الاتجاه المادي الذي يقرب الانسان من الآله باعتباره نتاج عمليات كيميائية فيزيولوجية , رغم  الموقف الاكثربساطة ومنطقية .&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-1050822612906789261?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/1050822612906789261/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_6203.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1050822612906789261'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/1050822612906789261'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_6203.html' title='المــاديه و الثـنــائــيـه ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-3429710298526988538</id><published>2010-04-11T02:07:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T02:10:16.113+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>الفــلســفه و التـاريــخ ...</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;د. حسن حنفي&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الفلسفة والتاريخ&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لقد ارتبطت الفلسفة بالتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة أي رصد تاريخ الفكر البشري وتقلباته بل من حيث هو فلسفة التاريخ أي التفكير في تطور التاريخ وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطوّر ويصف هذه الحركة. بل إن تاريخ الفلسفة ذاته ليس رصداً ميتاً للمذاهب والنظريات الفلسفية عبر التاريخ دون رجوع إلى ظروفها التاريخية وتعبيرها عن روح العصر، بل هي معرفة التجارب البشرية الفردية والاجتماعية والتاريخية التي خرجت منها هذه الفلسفات. تاريخ الفلسفة هو تاريخ الروح البشري في مواجهة الواقع وعبر التاريخ. لذلك كان هناك نوعان من تاريخ الفلسفة: الأول هو الرصد الكمّي لتاريخ الأفكار بلا منظور أو قانون أو دلالة. والثاني محاولة الدخول في أعماق التاريخ والذهاب إلى ما وراء الأفكار لمعرفة دلالاتها على عصورها وظروف نشأتها والتجارب الحيّة التي وراءها، وصلتها بالمرحلة التي قبلها وتمهيدها للمرحلة التي بعدها. الأوّل موتٌ للفلسفة، والثاني حياة لها. لقد كانت الفلسفة ابنة عصرها تعبّر عن أزمة العصر وتحاول إعطاء حلول تعبّر أيضاً عن تصوّر العصر وتجاوزه إلى ما بعده. نشأت الفلسفة في التاريخ، وخرجت من موقف ولكن ضاعت على أيدي أساتذة الفلسفة ومحترفيها واجتثوها من الجذور، وعرضوها كطائر في الهواء لا مستقرّ له ولا مكان. الصلة بين الفلسفة والتاريخ واضحة بذاتها. وعليها يتوقف موتها أو حياتها. إذا ما ارتبطت الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا. وإذا انفصلت عن التاريخ تخبو وتتقلّص وتموت.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الفلسفة حركة التاريخ. وفصلهما مثل فصل الرّوح عن البدن، وإثبات الروح مجردة غير مرئية لا مستقرَّ لها إلاَّ في عالم الغيب، وجثة هامدة لا حراك فيها تنحلّ بعد حين، فتندثر الأمم. وأغلب ما يشاهد فيه موت الفلسفة وحياتها في التاريخ في نهاية مرحلة وبداية أخرى، وفلسفة العصور الذهبية حية باستمرار، وفلسفة الخمود والانحطاط ميتة باستمرار، ولكن البعث الفلسفي يحدث في لحظات الموت والحياة عندما تخبو حركة التاريخ ثم تبعث فيها الحياة من جديد. فأرسطو وابن خلدون وشبنجلر وتوينبي وبرجسون وهوسرل في نهاية عصر عندما تؤذن الحضارة بالنهاية. وسقراط والكندي، وديكارت، والطهطاوي بدايات لعصور عندما تُبْعَث الحضارة من جديد.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;تموت الفلسفة إذن عندما تكون خارج التاريخ لا شأن لها بتطور الروح البشري ولا بحياة الشعوب. تظل فلسفة لا في زمان ولا مكان، فلسفةً يمكن نقلها من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، ومن جيل إلى جيل، لا موطن لها ولا مستقرَّ، لا تقضي على طاغٍ ولا تقيم صَرْحَ دولة. وهي مثل الفلسفات التي ننقلها نحن هذه الأيام من الغرب حتى نكون معاصرين، نكسب بعض الشهرة، ونرتزق منها، ونجد فيها مادة للتدريس كما نجد البضائع المستوردة، ونضعها في الكتب المقرّرة في معاهدنا وجامعاتنا، فالزمان والحركة هما اللذان يعطيان الفكر البشري قوته وحياته. وهما قنواته التي تمدّ الذهن البشري بخصوصيته ونمائه.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ويشهد التاريخ على ذلك. فمن أسباب موت الفلسفة في العصر الوسيط أنها كانت فلسفات عقائدية لا تهتمّ بتطور التاريخ البشري ولا بحياة الشعوب ولا بمراحله المختلفة، اقتصرت على صياغة فلسفات لا تاريخية ثلاثية القسمة: منطق وطبيعيات وإلهيات دون أن يكون فيها تاريخيات أو إنسانيات كأقسام مستقلة غير ملحقة بالإلهيات. كانت العلاقة بين طَرَفي الحقيقة علاقة رأسية بين الله والعالم، وليست علاقة أفقية بين الماضي والمستقبل أي الله في التاريخ والخلود في الزمان. وقد ظهر الشيء نفسه في فلسفاتنا القديمة عند ابن سينا خاصة في موسوعاته الفلسفية. فكانت فَلسفة بلا تاريخ وبلا وعي تاريخي، وبلا مراحل تاريخية. وأقصى ما وصلت إليه هو ذكر حضارات السابقين وتراث الأمم السالفة وطبائعها دون صياغة مفهوم لتقدم التاريخ ومراحله. كان التاريخ هو الرواية أو تاريخ النبوّة، أو تاريخ التشريع أو تاريخ الطبقات أو تاريخ الخلفاء أو تاريخ الملوك أو تاريخ السنين أو تاريخ الأعيان والأعلام، ولم يكن تاريخ الشعوب وحركة الجماهير والوعي بالتاريخ.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لقد ماتت الفلسفة أيضاً في الاتجاهين الصوري والمادي في الوعي الأوروبي لأنهما أسقطا الزمان والتاريخ من الحساب. وأكبر مثل على ذلك ديكارت ومالبرانش وليبنتز. فلم يظهر التاريخ في فلسفتهم نظراً لأن العقل كان في علاقة مباشرة مع اللانهائي بلا تطوّر أو زمان. ولم يندّ عن ذلك إلاَّ اسبينوزا في "رسالة في اللاهوت والسياسة" التي درس فيها نشأة دولة العبرانيين وسقوطها، وتطوّر الكتب المقدسة والعقيدة المسيحية والتاريخ المقدس. بل أن البنيوية كوريث للعقلانية والصورية دراسة للموضوعات خارج التاريخ والزمان فتحوّلت إلى تطبيقات في العلوم الإنسانية دون حركة تاريخ بالرغم من وجود التطور الزمني لأنه في نهاية الأمر لا يقدم إلاَّ صوراً وقوالب صورية وليس تاريخاً بمعنى الوعي بالتاريخ وحركة الشعوب.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وماتت الفلسفة في أمريكا لأنها بلا تاريخ، وليس لها جذور إلاَّ كامتداد للفلسفات الأوروبية واتجاهاتها المثالية والواقعية. التاريخ والفلسفات المثالية مثل فلسفات هوكنج ورويس مثالية فردية بلا وعي بالتاريخ. كما أن الفلسفات الشرقية القديمة لم تُعْنَ بموضوع التاريخ. فقد طغى الكون على كل شيء. وابتلع الخلودُ الزمانَ وطواه فيه.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وماتت الفلسفة لدينا لأنه ليس لدينا وعي بالتاريخ، ولا نعرف في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ نقوم بأدوار أجيال مضت فتنشأ الحركة السلفية أو نقوم بأدوار أجيال قادمة فتنشأ لدينا الاتجاهات الماركسية والعلمية والعلمانية. أو لا نقوم بأي دور في الحاضر فتنشأ حالة اللاّمبالاة دون أن ندري أننا في مرحلة خروج من التقاليد إلى التحرّر، ومن التراث إلى التجديد، ومن الماضي إلى الحاضر، وبالتالي يستلزم ذلك القيام بدور التنوير من أجل نهضة شاملة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وعلى العكس من ذلك، تحيا الفلسفة بدخولها في معارك التاريخ وباستثمارها رصيد الفكر الإنساني، وإنجازات الروح البشري. وهنا تبدو أهمية أرسطو مؤرخاً وأولويته على سقراط وأفلاطون، فعن طريق أرسطو بُعِث التاريخ، تاريخ الفكر اليوناني، فلم يكن أرسطو يبدأ أية مشكلة دون عرض آراء السابقين عليه، وقبل أن يبدأ برأيه الخاص، فأمكن رؤية جدلية الموضوع واحتمالاته المختلفة. ولمَّا كانت كتابة التاريخ نذيراً بنهاية مرحلة وبداية أخرى كما هو الحال عند أرسطو وابن خلدون وتوينبي، فقد كان أرسطو ينبئ بنهاية الفكر اليوناني.&lt;br /&gt;وقد حييت الفلسفة بشكل واضح في العصور الحديثة خاصة ابتداءً من القرن الثامن عشر بعد اكتشاف فلسفة التاريخ والوعي بالتاريخ ابتداءً من فيكو وكوندرسيه وترجو وفولتير وروسو حيث ارتبطت الفلسفة بالتاريخ. وحين أصبح التاريخ موضوع الفلسفة المفضّل، وحين تحدّدت الفكر الفلسفي طبقاً للفكر للمرحلة التاريخية التي يمرّ بها، تحوّلت العناية الإلهية إلى قانون للتقدّم، وأصبحت الفلسفة هي المعبّرة عن هذا التقدم، وقد ظهر ذلك بوضوح في حركة التنوير في ألمانيا عند لسنج وهردر وكانط. وقد ازدهرت الفلسفة بصورة أوضح عند هيجل. فهو الذي فَلْسَفَ التاريخ وأرَّخ الفلسفة، وجعل للفكر مساراً في التاريخ، وجعل التاريخ تحققاً للفكرة، فوحَّد بين الفلسفة والتاريخ، فالوعي تاريخ الوعي، والمنطق تاريخ المنطق، والفلسفة تاريخ الفلسفة، والجمال تاريخ الجمال، والدين تاريخ الدين، والسياسة تاريخ السياسة، والتاريخ تاريخ الحضارات البشرية.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وفي تراثنا القديم كان يمكن للفلسفة أن تزدهر من التفكير في تاريخ الفِرَق دون تكفير بعضها للبعض الآخر، وتكفير الفرقة الناجية ـ فرقةُ أهل السُنَّة والحديث ـ كلَّ الفرق الأخرى. فتاريخ الأمة هو تاريخ فكرها دون إدانة وحكم بالمُروق. وكان للفلسفة أن تحيا بالتفكير في تاريخ الأمم والحضارات وتاريخ الفرق غير الإسلامية هذا الجزء المجهول في علم أصول الدين الذي ذكره علماء الكلام وهم بصدد الحديث عن صفة "الواحد" أو بصدد الحديث عن الحضارات البشرية السابقة على الإسلام مثل حضارات الهند وفارس والروم. كما كان يمكن للفلسفة أن تزدهر لو ظلّ الاجتهاد ولم يتوقف المسلمون عنه. وكان يمكن لها أن تزدهر أيضاً لو استأنفت تفكير ابن خلدون في علم التاريخ، في أسباب انهيار الأمم والشعوب، وتزيد عليه أسباب نهضة الأمم وشروط البعث الحضاري الجديد. وقد بدأت الإرهاصات منذ القرن الماضي في الفكر الإصلاحي والعلماني والسياسي كلٌّ بطريقته الخاصة دون أن تنشأ فلسفة أو أن يؤسَّس اتجاه أو يُقام مذهب. وهذا لا يعني أن الفلسفة قد ماتت بل يعني أن ظروف حياتها ما زالت تتهيأ وأنها على مشارف ميلاد جديد.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-3429710298526988538?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/3429710298526988538/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_2087.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/3429710298526988538'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/3429710298526988538'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_2087.html' title='الفــلســفه و التـاريــخ ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-6371176434113655177</id><published>2010-04-11T02:02:00.002+03:00</published><updated>2010-04-11T02:04:53.092+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>العقلانيه تأسست على نقد العقل ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;العقلانية تأسست على نقد العقل&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إبراهيم البليهي&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن اكتشاف نقائص العقل البشري وإدراك أولوية الوعي الزائف والتعرُّف على قابليات العقل للاستلاب وقيام الشواهد الكثيرة على سهولة تضليل الناس هي التي أدَّتء إلى نشوء الفكر العقلاني الذي هو في جوهره فكرٌ نقديٌّ فاحص &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;بخلاف ما يعتقد الكثيرون فإن العقلانية في الغرب لم تتأسس على تزكية العقل الانساني تزكية مطلقة والإشادة به إشادة غير مشروطة وادعاء كماله ادعاء مفرطاً كما يشاع وكما يجري تأكيده والترويج له، وإنما تأسست العقلانية على الوعي الحاد بهشاشة العقل البشري واكتشاف أنه على مر العصور يحتله الوعي الزائف في غالب الأحيان. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لقد كانت العقلانية ومازالت ثورة على استسلام الإنسان للزيف كما كانت احتجاجاً على سرعة تصديقه للتضليل لذلك فإنها لا تنشغل بتمجيد الإنسان وتأكيد قدرات عقله وإنما ترى أن مهمتها الأساسية أن تواصل تذكير الإنسان بجوانب ضعفه وأن تؤكد له أسبقية العطالة لعقله وأن توقظ وعيه ليدرك شدة قابليته للاستلاب وعطالة الفهم وسهولة الاقتناع بالزيف.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العطالة الثقافية ليست كعطالة الأجسام التي أصبح ممكناً تجاوزها بالمخترعات وتسخير الطاقة، فعطالة الثقافة أشد استعصاء على الزحزحة والتحريك وهي تتأبى على التغيير لأن كل ثقافة تكون راضية عن ذاتها مهما كانت متخلفة فالوعي الزائف يصعب عليه أن يعترف بزيفه فيقاوم محاولات الوعي الحقيقي إن من عاش عمره وهو يتوهم أنه على الحق المطلق وأن الآخرين على الضلال المبين لا يمكن أن يستجيب لمراجعة ذاته أو ينقاد إلى التأكيد من محتويات ذهنه فهو قد تشكل عقله على توهم امتلاك الحقيقة الناصعة المطلقة المستعصية والمتعالية فكيف يستبدل ما يعتبره باطلاً بواحاً بما يوقن أنه حق محض إنها بمثابة استبدال للذات المعشوقة بذات دميمة مغايرة ولا يمكن أن يرضى الإنسان بالتخلي عن ذاته التي يعشقها جهلاً منه بطبيعة تكوينها إلا إذا توهج وعيه بشكل استثنائي وبات قادراً على إعادة تشكيل ذاته بمقومات ذاتية جديدة. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الذي يتوهم الاكتفاء ويعتقد أنه الأكمل وأن كل الآخرين تافهون وضائعون لن يحسَّ بأي نقص في معارفه ولا أي خلل في طريقة تفكيره فيُصد الأحكام والآراء جزافاً دون تحليل ومن غير احتكام إلى الوقائع إنه يجهل أخطاء التفكير فلا يحاول أن يتجنبها لأنه يجهلها ومن جهل شيئاً عاداه إنه لا يعرف التحيزات التلقائية للذات لذلك ينظر إلى تحيزاته وكأنها حقائق موضوعية إنه يحصر تفكيره وجهده في البحث عمّا يؤيد المستقر في ذهنه لأنه يتوهم أنه على الصواب المطلق فلا يطلب المزيد من المعرفة أو المهارة أو الأفكار ولا يحاول أن يتعلم أساليب التفكير السليم لأنه مقتنع بسلامة تفكيره إن الذي لا يشعر بالنقص لا يسعى للكمال لأنه يتوهم أنه قد صاحبه الكمال منذ ولادته أما الذي يعتقد أنه مصيبٌ دائماً فتكثر أخطاؤه دون أن يحتاط بل يقع في أخطاء فظيعة دون أن يعلم والذي يجهل شبكة الأوهام يتخبَّط فيها وهو لا يدري ومن لا يعرف كيف يتشكل العقل والوجدان منذ الطفولة بالجهالات يبقى مغتبطاً بهذه الجهالات ويقاتل الناس لإلزامهم بأن يعتنقوا جهالاته إن الذي يقتنع بأن من حقه الوصاية على الناس يعاني من جهل فظيع بالطبيعة البشرية وبطبيعة ذاته وبطبيعة المعرفة وبهشاشة العقل وأخطائه وأوهامه والتباساته. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لذلك فإن العقلانية تقوم على الاقتناع بمحدودية العقل البشري واتهامه بالقصور الشديد وتلبُّسه بالأوهام الكثيفة واستمراره على الأخطاء المتراكمة وانسياقه مع الأهواء الجارفة وبرمجته بالتقاليد الخرافية وغفلته التلقائية المطبقة عن كل هذه الآفات والعقبات والقيود والنقائص.&lt;br /&gt;إن اكتشاف فلاسفة اليونان في القرن السادس قبل الميلاد أن المعضلة الإنسانية الكبرى المستعصية والأزلية في كل عصر وفي كل مصر هي عجز العقل البشري عن اكتشاف اسبقية الجهل المركِّب في حياته مما يستبقي هذا الجهل المركب مهيمناً عليه إلا إذا هو انفصل فكرياً لأي سبب عن الجاذبية التلقائية للواقع لقد لاحظ الفلاسفة الأقدمون والمحدثون والمعاصرون أن الجميع يتوارثون هذا الجهل المزدوج ويغتبطون به ويبقون عليه ويستميتون في الدفاع عنه إن هذا الاكتشاف المهم والمفصلي هو الذي أدى إلى استنفار الفاعلية النقدية لإخراج الإنسان من غبطته بجهله وإيقاظ الشك في نفسه ليدرك بأن هذا الجهل المستقر والمزمن الذي يحتل ذهنه والذي يجري منه مجرى الدم ويسري فيه سريان الحياة لم يتعرض لأي فحص أو تحليل أو مراجعة وأن هذه الغبطة بالموروث غير المحمص ليست محصورة بأمة دون أخرى ولا بعصر دون غيره وإنما الناس في كل الثقافات المتباينة وفي جميع العصور يعتبرون ما هم عليه وما توارثوه هو حقائق خالدة لذلك شدَّد القرآن الكريم على محاربة الآبائية التي أضلَّت الناس في كل زمان ومكان. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن الرضى عن الذات وتوهُّم الكمال والاقتناع بالاكتفاء بما هو موروث وتعطيل قدرات الأحياء وتجييرها لصالح تقديس الأقدمين هي الآفات التي عطلت العقل البشري آلاف السنين وما زالت تشل العقل وتُنيم الأمم لذلك فإن ما يميز العقلانية هو اقتناعها بقصور العقل البشري ووثوقها من قابليته التلقائية للزلل الشديد ومشاهدتها له وهو يقيم على هذا الزلل قروناً طويلة ليس في زمان دون غيره ولا في مكان دون آخر وإنما كل الأزمنة وفي جميع الأمكنة وهذا يستوجب اعتماد المراجعة الشاملة للثقافات السائدة وعدم التوقف عن النقد والتمحيص وتشييد ثقافات تأسس على معارف علمية ممحصة وتخليص العقل الإنساني من الجهل المركَّب واستصحاب الشك في كل معرفة بشرية والاستعداد الدائم لوضع الفهوم والرؤى والتصورات والأحكام البشرية موضع المراجعة والتحليل والغربلة.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العقلانية حين تدعو إلى إعادة تشييد المعرفة الإنسانية لتخليصها من عناصر العطالة فإنها تعترف بقصور العقل وتؤكد أن نشاطه لا يكون ناجعاً إلا بالتنظيم الدقيق والمنهجية الصارمة والتواصل المنفتح والتغذية المستمرة إنها تعترف بحدود العقل وتثق أن نجاعة جهده تكمن في قدرته على نقد ذاته وعلى تغذيته من كل الآفاق من خارجه واغنائه من جميع الروافد فلم تتأسس العقلانية على اكتشاف قدرات خارقة للعقل وإنما بالعكس تأسست احتجاجاً على عطالته وجموده واستلابه لقد قامت على الاعتراف بضعفه والإيمان بأنه لا يكتسب القدرة إلا بالنقد والتحدي والمواجهة الحامية بين الاتجاهات المختلفة وأنه متى رضي العقل عن ذاته واكتفى بما لديه أو عاش ضمن حدود راكدة محمية من النقض والتفنيد ومن المنافسة والصراع مع الأفكار المغايرة فإنه لا يتطور بل يميل إلى الركود والتدهور... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن إدراك هذا الإعضال البشري العام المزمن والمهيمن هو الذي هيأ لظهور الفكر العقلاني الذي هو في جوهره فاعلية نقدية فالعقل إن لم يستنفره النقد ويحركه التحدي فإنه يميل تلقائياً إلى الجمود على الراهن والاستكانة للواقع والغبطة بالسائد وكما يقول المفكر الفرنسي إدقار موران: "إن الإنسان كائن يمتح من أوهام وخرافات وعندما تتوقف المراقبة العقلانية يقع الخلط بين الموضوعي والذاتي والواقعي والخيالي وعندما تهيمن الأوهام والتهور الجامح يُخضع الإنسان الجنوني الإنسان العاقل ويوظف مهارة العقل في خدمة أوهامه" فلا سبيل لإخراج الإنسان من غبطته بجهله ومن أوهامه وخرافاته إلا بفك قيوده وإطلاق قواه ولا مخرج إلى ذلك إلا باستنفار عقله استنفاراً موضوعياً ينفصل به عن أهوائه الذاتية وتفضيلاته الموروثة وكما يقول موران: في كتابه (تربية المستقبل) "إن النشاط العقلاني للفكر هو ما يسمح بالتمييز بين اليقظة والحلم، والخيال والواقع، والذاتي والموضوعي" لكن العقل لا يحقق هذه الغاية ارتجالاً وإنما يجب أن ينظم نشاطه فيراقب ما يحيط به بوعي مستنفر ويراقب ذاته بتجرد واهتمام وأمانة ليستبعد جموح الخيال وعواصف الرغبة ويقارن الرؤى المتعارضة ليدرك كيف يفكر الناس ضمن الأُطر الثقافية المختلفة التي تحدد طريقة تفكيرهم كما تحدد اهتمامهم ورؤاهم عن الكون والحياة والإنسان والفرد والمجتمع وعن الممكنات والمحالات... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العقلانية هي التي فجَّرت طاقات العقل وألهمت الإنسان كشف الحقائق وتأسيس العلوم وإنجاز المخترعات وتدل حياة المجتمعات القائمة عليها أن من أنفع نتائج العقلانية ومن أهم مقتضياتها البُعد عن التعصب لأن العقلاني يدرك أن معارفه ظنية وأن أحكامه وتصوراته قائمة على هذا الظن، لذلك فإنه مهما اجتهد في البحث يضع في اعتباره احتمالات الخطأ والوهم في ما عنده واحتمالات الصواب في ما عند المخالفين له ومُقتضى ذلك أن لا يتعصب لرأيه وإنما يضع الأبواب مشرعة للمراجعة بل للتراجع متى توفرت حقائق تستوجب ذلك فيحترم اجتهادات المخالفين مثلما ينتظر منهم أن يحترموا اجتهاده... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن التاريخ العقلاني ليس خطاً نمطياً متصلباً وإنما هو سلسلة من المراجعات الدائمة والفحص المستمر والتعديلات المتكررة والطفرات الفكرية والعلمية المشهودة إن المراجعة للمواقف والرؤى والتراجع عن التصورات واعتناق تصورات جديدة أملتها الكشوف المتحققة والوقائع المتجددة لا تمثل حالات استثنائية في الفكر العقلاني وإنما هي الأسلوب المعتمد فيه.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العقلانية تقتضي التسامح مع الجميع فهي ترى أنه ليس لدى أي طرف مهما بلغ ذكاؤه وعبقريته وعلمه وصدقه ما يبرر له أن يتوهَّم بأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة الناصعة وبأن غيره دائماً مخطئون فالعقلانية هي في جوهرها دعوة صارخة إلى التواضع وتأكيد صارم على حق الاختلاف وهي تؤدي تلقائياً عند الملتزم بها إلى التسامح ليس فقط مع الباحثين المجتهدين وإنما حتى مع الجاهلين المتعصبين فالذي يعرف السبب يبطل عنده العجب... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وهنا تبرز المفارقة الصارخة التي لم يجر بحثها وهي أن العقلاني لا يثق ثقة تلقائية بعقله وإنما لا بد أن يعتمد في رؤاه وأحكامه ومواقفه على حقائق واضحة ووقائع ثابتة ومع استخدامه لكل وسائل التحقق فإنه يبقى في دائرة الظن الراجح والاحتمال الغالب ويرحب بأي كشف يزيده معرفة أو يُعدِّل رؤاه فهو ليس محكوماً بالتعصب لاتجاه معين وإنما يميل مع الحقائق حيث مالت.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;أما أعداء العقل والمحاربون للعقلانية فإنهم يدَّعون بأن عقولهم قادرة وبكل بساطة على الوثوق التام والجزم القاطع فعقولهم كما يتوهمون تملك الحقيقة المطلقة فلا يخامرهم أي شك فيما استقر في أذهانهم وهذا يعني ضمناً وبشكل تلقائي ادعاء قدرات خارقة لعقولهم فلو كانوا يؤمنون بأولوية الخطأ وأصالة الجهل والتباسات الوهم وصعوبة استخلاص الحقائق وسط ركام التناقضات لما كانوا بهذا الوثوق الأعمى فادعاء الصواب المطلق والدائم لأحكامهم وتصوراتهم وآرائهم ومواقفهم هو ادعاء للكمال وتوهُّم لقدرات عقلية خارقة تعصمهم من الزلل وهو ما لا يمكن أن يدعيه العقلانيون... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن هذا الوثوق الأعمى بما هو سائد والغبطة بما هو مألوف والاستماتة في الدفاع عن التصورات المستقرة تلقائياً في الأذهان ليست محصورة بالمتعلمين وإنما يستوي في ذلك الأميون مع المتعلمين بل إن الأميين أشد وثوقاً وأعظم غبطة بما هو مستقر في أذهانهم فيدافعون عنه كدفاعهم عن أرواحهم فالعقلانية ثورة فكرية ضد الغبطة بالجهل المركَّب الموروث... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن عقل الإنسان عند ولادته هو في نظر العلم مجرد قابلية يجري تشكيلها بكيفيات شديدة التنوع تبعاً لتنوع الثقافات ولأن العلم بمعناه الحديث طارئ على الحياة الإنسانية فالثقافات تكوَّنت قبل ظهور العلوم وقبل الفكر الفلسفي وقبل إدراك فاعلية النقد حيث يجري توارثها كما هي دون مراجعة لذلك فإن الفرد في كل مكان لا ينمو في بيئة علمية وإنما تتلقاه وتصوغه بيئة اجتماعية وثقافية جُلُّ مكوناتها تقوم على الارتجال والمشافهة والمحاكاة والتوارث التلقائي وبذلك يصاغ عقل الفرد في كل المجتمعات بثقافة لم يجر فحص معارفها ولا تحرير مسلَّماتها وهو يمتصها من البيئة امتصاصاً قبل تكوين وعيه لذلك فإن منطق العقل والعلم يقتضي اخضاع هذه البرمجة للمراجعة واعادة التكوين من قبل الفرد إذا أشرق وعيه ولكن واقع الناس في كل الثقافات أن الناس يبقون مغتبطين بما هم عليه ويفتخرون بما ورثوه عن أسلافهم من قيم وتفضيلات وتقاليد وعقائد ورؤى ومواقف ولا يختلف في ذلك المتعلمون عن الأميين فالتعليم لا يؤثر كثيراً في البرمجة الثقافية السابقة له فالعقل يحتله الأسبق إليه أما ما يأتي بعد ذلك مخالفاً له فيبقى طلاء خارجياً ينسلخ تلقائياً متى زال الاهتمام القسري به... &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وبينما أن أعداء العقلانية يزكون عقول أنفسهم تزكية مطلقة ويثقون بما تتوصل إليه عقولهم وثوقاً تاماً، فإنهم يحكمون على عقول المخالفين لهم بأنها غير راغبة في معرفة الحق ولا الإلتزام به وبأنها عاجزة عن اكتشاف الحقيقة فهي في نظرهم لا تصل إلا إلى الزيف والضلال والباطل وبالمقابل فإن العقلانيين يعترفون بقصور عقولهم هم أولاً ويؤكدون بأن آراءهم قابلة للخطأ وبأن أحكامهم قابلة للنقض وبأن أفكارهم ليست سوى مقاربات بشرية احتمالية لذلك فهم مستعدون للعدول عنها متى اتضح لهم ما يستوجب هذا العدول.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن اكتشاف نقائص العقل البشري وإدراك أولوية الوعي الزائف والتعرُّف على قابليات العقل للاستلاب وقيام الشواهد الكثيرة على سهولة تضليل الناس هي التي أدَّتء إلى نشوء الفكر العقلاني الذي هو في جوهره فكرٌ نقديٌّ فاحص فقد توفر اقتناع تام بأنه لا بد أن يدرك العقل هذه الحقائق عن طبيعته وتكوينه وقابليته وأن يكون متأهباً دائماً لفحص قناعاته وإعادة النظر في مسلماته وأن يضطلع بمهمة الإيقاظ المستمر لذاته والحفز الدائم لنفسه وأن يقتنع بأنه لا خلاص له من أغلاله إلا بنقد شديد للواقع وتشكُّك مستمر في المألوف فالإنسان لا يفطن لاستلابه ولا ينتبه لاختطاف عقله إلا إذا صُدم بنقد شديد يتحداه ويستفزه ويدفعه لمراجعة ذاته ويحمله على التأكد من محتويات ذهنه ويضطره إلى إعادة النظر في مسلَّمات ثقافته ويحفزه إلى فحص تفكيره والتعرف على آليات استجاباته والتأكد من مرجعية اهتماماته وتفضيلاته وآرائه وأحكامه وأسبقياته.. &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;إن العقلانية بمعناها الأشمل وليس بالمعنى الفني المقابل للتجريبية قد قامت على اكتشاف نقائص الإنسان وتأكيد ضعفه وقابليته التلقائية للسُّبات الثقافي والاستغلاق العاطفي والعقم الذهني والاجترار المعرفي والتأرجح المتكرر في الحضارة بين الصعود والهبوط وليس كما أشيع من أن العقلانية قامت على تأليه العقل وإدعاء كماله لقد كان اكتشاف قابلية العقل البشري للسُّبات التلقائي هو الاكتشاف الأكثر أهمية في تاريخ الحضارة، فبهذا الاكتشاف تحقق الإنسان من أن عقل الفرد والجماعة والمجتمع والأمة لا ينمو ويتطور إذا هو رضي عن ذاته واكتفى بما هو عليه وإنما الشرط الأساسي والمبدئي للنمو والتطور هو الإحساس القوي بالحاجة إلى التجاوز والشعور الشديد بالقصور والاقتناع التام بقابليات الإنسان للجمود والتحجر والثقة التامة بأن تطوره ونماءه وتألق قدراته مرتهن بإدراك الشروط الموضوعية لهذا النماء والإشراق والأخذ بجميع الأسباب التي تكفل يقظة العقل وتُحقق فاعلية الإنسان..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-6371176434113655177?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/6371176434113655177/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1901.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6371176434113655177'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6371176434113655177'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_1901.html' title='العقلانيه تأسست على نقد العقل ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-7440557478610674566</id><published>2010-04-11T01:57:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T01:59:39.584+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>العـداله و الأخــلاق - كـربـوتـكــن</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;كلَّما ظهر شعورٌ في المجتمع بضرورة إعادة بناء العلاقات القائمة بين البشر لا بدَّ أن ينتعش النقاشُ حول المسائل الأخلاقية. والواقع أن من الطيش الحديث عن إعادة بناء البنيان الاجتماعي دون التفكير في مراجعة المفاهيم الأخلاقية. ولهذا السبب يستيقظ هذا الاهتمامُ النشطُ بالمسائل الأخلاقية. لذا قررتُ أن أتحدث عن علم الأخلاقيات ethics، أي عن أسُس المفاهيم الأخلاقية ومنشئها في الإنسان.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في الآونة الأخيرة، ظهرت أعمالٌ غير قليلة حول هذه المسألة؛ غير أني سأتوقف عند المحاضرة التي ألقاها، منذ مدة وجيزة، الپروفسور المعروف من جامعة أكسفورد ت. هَكْسلي، وهي بعنوان التطور والأخلاق.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن الفكرة الرئيسة عند هَكْسلي هي التالية: تجري في العالم سيرورتان: السيرورة الكونية للطبيعة والسيرورة الإيثيقية، أي السيرورة الأخلاقية التي تتجلَّى في الإنسان فقط. و«السيرورة الكونية» هي حياة الطبيعة كلِّها، الحية وغير الحية، بما فيها النبات والحيوان والإنسان. ويؤكِّد هَكْسلي أن هذه السيرورة ليست سوى «صراع دموي بالأسنان والمخالب» وأنها «صراع مستميت من أجل البقاء يخلو من أية منطلقات أخلاقية». وبالتالي، فالدرس الذي نتلقَّاه من الطبيعة هو «درس الشر العضوي»؛ بل لا يجوز حتى اعتبار الطبيعة «لاأخلاقية»، أي غير عارفة للأخلاق، وإنما هي عديمة الأخلاق بالتحديد. هذا هو، بحسب هَكْسلي، الدرس الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يستمدَّه من حياة الطبيعة. ولكن ما إن يتَّحد البشر، اتحادًا غير متوقع على الإطلاق، في مجتمع منظَّم حتى تظهر لديهم، لا يُعرَف من أين، «سيرورة إيثيقية»، على الضدِّ من كلِّ ما علَّمتْهم إياه الطبيعة. وغاية هذه العملية ليست الإبقاء على الأقدر، وإنما على «الأفضل من المنظور الأخلاقي».&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهذه العملية المجهولة المصدر، التي ليست من الطبيعة بأيِّ حال من الأحوال، بدأت تتطور عن طريق القوانين والعادات، ودعمتْها حضارتُنا، ومنها تشكَّلت أخلاقيتُنا. فما مصدر هذه السيرورة الأخلاقية إذًا؟ نعيد القول، مقتفين أثر هَكْسلي، إننا إذا قلنا بأن هذه المنطلقات الأخلاقية في الإنسان قد تمَّ تلقينُها من قِبَل المشرِّعين، فهذا يعني عدم إعطاء أيِّ جواب، حيث إن هَكْسلي يؤكِّد، بصورة محددة، أنه لم يكن في مقدور المشرِّعين استنباطُ هذه الأفكار من خلال مراقبة الطبيعة. فهو يقول:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لم توجد سيرورة أخلاقية لا في المجتمعات الحيوانية، ولا لدى البشر الأوائل، مما يعني (إنْ كان هَكْسلي محقًّا) أن البداية الأخلاقية في الإنسان ما كان لها أن تمتلك منشأً طبيعيًّا. وبالتالي، يبقى التفسيرُ الممكن الوحيد لظهورها هو المنشأ «فوق الطبيعي». وإذا كان من المستحيل أن تتطور العادات الأخلاقية (الإحسان، الصداقة، التعاضد، الكبح الذاتي للنزوات والأهواء، التضحية بالنفس) من المرحلة السابقة على وجود الإنسان أو من عصر الإنسان البدائي، فيبقى شيء واحد هو: تفسير نشوء الأخلاق بأنه حدث بإلهامٍ متعالٍ على الطبيعة، بإلهامٍ «إلهيٍّ».&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وبالفعل، فمن الأمرين أحدهما: إما أن هَكْسلي، الذي يؤكِّد أن «السيرورة الأخلاقية» لا وجود لها في الطبيعة، مصيب، وإما أن داروِن مصيب، وذلك عندما أقرَّ في مؤلَّفه الأساسي أصل الإنسان، مقتفيًا أثر بيكون وكونت، بأن الغريزة الاجتماعية عند الحيوانات، التي تعيش كقطعان، قد تطورت بقوة إلى درجة أنه يضعها في مرتبة أرقى من غريزة حفظ الذات. وبما أن داروِن يرى أن هذه الغريزة قد تطورت أكثر فأكثر، بعد ذلك، عند الإنسان البدائي بفضل موهبة النطق والمأثورات والعادات المتشكِّلة، فمن الواضح، فيما إذا كانت وجهةُ النظر هذه صحيحة، أن البداية الأخلاقية في الإنسان ليست أكثر من تطورٍ لاحقٍ لغريزة التَّعاشُر التي تميِّز جميع الكائنات الحية تقريبًا والملحوظة في الطبيعة الحية برمَّتها.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;على هذا النحو فسَّر داروِن – عارف الطبيعة عن قُرب – الشعور الأخلاقي. أما بالنسبة لنا، فالأهم هو أن كلَّ مَن يأخذ على عاتقه عبء الانشغال بمسألة منشأ الأخلاق في الطبيعة على محمل الجِد سيرى أن الحياة قادت معظم الحيوانات التي تعيش حياةً اجتماعيةً إلى تطوير غرائز معروفة، أي العادات الموروثة للطبع الأخلاقي. لذا نجد في مجتمعات الطيور والثدييات العليا (ناهيكم عن النمل والزنابير والنحل) الأصولَ الأولى للمفاهيم الأخلاقية، حيث نجد لديها عادة العيش في جماعات، الأمر الذي بات ضروريًّا بالنسبة لها؛ وكذلك نجد عادة أخرى، وهي: «لا تفعل بالآخرين ما لا تتمنَّى أن يفعلوه بك»، وكثيرًا ما نجد لديها حتى التضحية بالنفس لصالح المجتمع.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لذا يمكن القول بأن أخلاقيات التَّعاشُر والتعاضد قد تشكَّلت في عالم الحيوان، وأن الإنسان البدائي كان يعرف جيدًا سِمَة الحياة الحيوانية هذه، كما يتبيَّن من أساطير الشعوب البدائية وأديانها. أما الآن، ومن خلال دراسة المجتمعات البدائية الناجية، نجد أن أخلاقيات التَّعاشُر تلك قد واصلت تطورَها لدى تلك المجتمعات، بالإضافة إلى أننا نكتشف لديها جملةً من العادات والأخلاقيات الكابحة لاستبداد الفرد والمؤسِّسة للمساواة في الحقوق.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وفي الحقيقة، تشكِّل المساواة الحقوقية أساس الحياة القبَلية. فعلى سبيل المثال، إذا ما أسال أحدُهم دَمَ فردٍ آخر من قبيلته فلا بدَّ من إسالة الكمية نفسها من دمه. والقانون في الكتاب المقدَّس يقول: «العين بالعين، والسن بالسن، والجرح بالجرح، والحياة بالحياة، لكن ليس أكثر» – وهي القاعدة الملحوظة في وضوح لدى جميع الشعوب التي لا تزال تعيش حياة قبَلية. أما العين بالسنِّ، أو الجرح الطفيف بجرح قاتل، فيخالف التصور المتعلق بالمساواة والعدالة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وإذا ما نظرنا عن كثب إلى هذه التصورات البدائية، أي المتعلقة بالمساواة، فسوف نرى أنها ليست سوى تعبير عن وجوب عدم معاملة شخص من قبيلتك معاملةً لا تتمنَّاها لنفسك، أي بالضبط ما يُعدُّ البداية الأساسية للأخلاق كلِّها ولعلم الأخلاق في مجمله.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهكذا فإن «السيرورة الإيثيقية»، التي يتحدث عنها هَكْسلي والتي بدأت في عالم الحيوان، قد انتقلت إلى الإنسان، وبفضل المأثورات تطورتْ أكثر، وبلغتْ أعلى درجاتها في «أبطال» متفرِّدين للبشرية وفي بعضٍ من معلِّميها. وإن استعداد المرء للتضحية بحياته في سبيل إخوته أمرٌ تغنَّتْ به الشعوبُ كافة، وانتقل بالتالي إلى العقائد القديمة. وقد أصبح هذا الاستعداد للتضحية بالنفس، بالإضافة إلى العفو عن الأعداء ووجوب عدم الثأر القبَلي، أساس البوذية والمسيحية. هكذا تطوَّرت المفاهيم الأخلاقية في الطبيعة والإنسان.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;من خلال ذلك، نميِّز في سهولة ثلاثة عناصر أساسية للأخلاق: أولاً، غريزة التَّعاشُر التي تطورت عنها العاداتُ والأخلاقُ اللاحقة؛ ومن بعدُ مفهوم العدالة؛ بينما العنصر الثالث هو الشعور الذي نسمِّيه، تسميةً غير صحيحة بعض الشيء، نكران الذات أو التضحية بالنفس، أو الغَيرية، أو الشهامة – وهو شعورٌ مدعومٌ بالعقل، وكان الأجدر أن يُسمَّى الحس الأخلاقي.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;عندما يتعاون النمل لإنقاذ يرقاته من جحرٍ خرَّبه الإنسان؛ وعندما تجتمع الطيور الصغيرة، طائرةً من كلِّ حدبٍ وصوب، لكي تطرد جارحًا ما ظهر للتوِّ؛ وعندما تجتمع الطيور المهاجرة طوال عدة أيام، قبل تحليقها المديد، فتتجمَّع مساءً في أماكن محددة للتدرُّب على الطيران؛ وعندما تتجمع آلاف الأيائل، قادمةً من مسافات بعيدة، لتنتقل معًا من مكان إلى آخر؛ وبعبارة واحدة: عندما تتجلَّى لدى الحيوانات، في مجتمعاتها، الأخلاقُ والعاداتُ التي تُعينها على البقاء على قيد الحياة في صراعها ضد الطبيعة – في ذلك كلِّه يتم العثور على غريزة متطورة، لا بدَّ للنوع المعطى من أن يهلك من دونها. لقد كان التَّعاشُر، وظلَّ، الصيغة الضرورية للصراع من أجل البقاء؛ وهذا القانون الطبيعي تحديدًا أهمله معظمُ الداروِنيين، ربما لأن داروِن نفسه لم يُعِرْه اهتمامًا كافيًا في عمله الأول أصل الأنواع، فلم يتحدث عنه إلا في عمله الثاني تحدر الإنسان. في حين أن لدينا في هذه الغريزة البداية الأولى للأخلاق، التي تطورت عنها فيما بعد المشاعرُ والعواطف الأكثر سموًّا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;واستمرَّت غريزةُ التَّعاشُر في المزيد من التطور وسط البشر... لكن غريزة التَّعاشُر وحدها، على الرغم من ذلك، لم تكن كافية لابتداع قاعدة العَيش القبَلي. وبالفعل، تطور لدى الإنسان البدائي، شيئًا فشيئًا، مفهومٌ جديد، أسمى وأَوعى، هو مفهوم العدالة. وقد أصبح هذا المفهوم أساسيًّا من أجل الإنتاج اللاحق للأخلاق.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;عندما نقول: «لا تفعل بالآخرين ما لا تتمنَّاه لنفسك» فإننا نطالب بالعدالة التي يكمن جوهرُها في الاعتراف بتساوي جميع أعضاء المجتمع من حيث القيمة، وبالتالي تساويهم في الحقوق وفي الحاجات التي يمكن إبداؤها لبقية أعضاء المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك، يتضمَّن هذا المفهوم أيضًا امتناع المرء عن ادِّعاء مكانة لنفسه أعلى من الآخرين. إذ من دون هذا المفهوم المُساوي ما كان للأخلاق أن تنوجد أصلاً. وقد تطور هذا المفهوم بالأخص لدى البشر، بمن فيهم المتوحشون البدائيون، حتى قبل أن يؤسِّسوا ممالكهم الصغيرة. ويعترضون على كلامي بالقول بأنه لدى الشعوب البدائية وُجِدَ محاربون وقُوَّاد وسَحرة وشمنيَّة كانوا يتمتعون بسلطة ما. وبالفعل، فإن التطلع إلى التمتع بحقوق خاصة يتجلَّى في المجتمعات البشرية في مرحلة مبكرة جدًّا، والتاريخ الذي يتم تدريسُه في المدارس (بهدف تمجيد «سلطة السلطات القائمة») يتوقَّف في شغف عند هذه الحقائق بالذات، بحيث يمكن تسمية التاريخ المدرسي حكايةً عن كيفية قيام عدم المساواة. لكن في الوقت نفسه، ناضل البشر في كلِّ مكان في عناد ضد اللامساواة الناشئة؛ وبالتالي فإن التاريخ الحقيقي هو حكاية عن طموح بعض الناس إلى إقامة طبقات تسمو فوق المستوى العام، بينما الجموع قاومت ذلك، ودافعت عن المساواة الحقوقية، حيث سعتْ جميع مؤسَّسات الحياة القبَلية إلى إقامة التساوي الحقوقي.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لكن هذا لا يكفي؛ إذ يمكن لنا المتابعة. وقد قررتُ طرح السؤال التالي: «ألا يعود أصل العدالة نفسها إلى طبيعة الإنسان ذاتها؟ وإذا كان هذا صحيحًا، أفلا تُعتبَر سمةً فسيولوجيةً أساسيةً من سمات تفكيرنا؟»&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن حقيقة أن عملية التفكير لدينا تتم في صيغة تُعرَف في الرياضيات بـ«المعادلة»، وأن في هذه الصيغة بالذات تنعكس القوانينُ الفيزيائيةُ التي نكتشفها، تقدِّم للتفسير الذي أعطيتُه نصيبًا كبيرًا من الاحتمال. ومن المعروف أيضًا أننا، قبل أن نتوصَّل إلى استنتاج ما، تقدِّم عقولنا حججًا: «مع» و«ضد»؛ ويرى بعض الفسيولوجيين في هذه الظاهرة، إن لم يكن التناظر الثنائي لدماغنا، فعلى الأقل تركيبته المعقدة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إلا أن التَّعاشُر والعدالة لا يشكِّلان مجمل الأخلاق؛ إذ يدخل في تكوينها جزءٌ ثالث يمكن لنا تسميته، بسبب عدم توفُّر تعبير أنسب، الاستعداد للتضحية بالنفس أو الشهامة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يدعو أصحاب مذهب الإيجابية الوضعية positivism هذا الحس بالغَيرية altruism، أي القدرة على العمل لخير الآخرين، بعكس الأنانية egotism التي تعني حبَّ الذات. وهم يتحاشون بذلك مفهوم «محبة القريب» المسيحي لأن عبارة «محبة القريب» لا تعبِّر تعبيرًا صحيحًا عن الشعور الذي يدفع الإنسان إلى التضحية بمصالحه المباشرة من أجل الآخرين. وفي الحقيقة، فإن الشخص الذي يتصرَّف على هذا النحو لا يفكِّر غالبًا في التضحية، ولا يُكِنُّ لهؤلاء «الأقربين» أية محبة خاصة، بل إنه لا يعرفهم حتى في كثير من الحالات. لكن كلمات مثل «الغَيرية» أو «التضحية بالنفس» لا تعبِّر، بالمثل، تعبيرًا صحيحًا عن سِمة هذا النوع من الأفعال، حيث إنها تصبح طبيعية عندما يُقدِمُ عليها الإنسان، لا لأنه مُلزَم بها «من فوق»، ولا بسبب الوعد بالثواب في هذه الحياة أو في الآخرة، ولا لإدراكه للخير الاجتماعي، وإنما بمقتضى دافع داخلي لا يُقاوَم. فالإنسان يتصرَّف على هذا النحو، وليس بطريقة أخرى، لأن هذه هي طبيعته ولأنه لا يستطيع أن يتصرف إلا على هذا النحو.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;«الشعور بالواجب» قوة أخلاقية لا جدال فيها. لكن هذا الشعور يجب أن يبرز في الحالات الصعبة فقط، وذلك عندما يتعارض جاذبان طبيعيان، فنتردد في التصرُّف. لكن «المتفانين» من البشر يتصرَّفون، في معظم الحالات، دون أن يستدعوا هذا الشعور. وإذا تمَّت تزكيةُ هذا الشعور من قِبل العقل، فإنه لا يعود في حاجة إلى أية مصادقة، أو أية مباركة، «من فوق» ولا إلى أيِّ إلزام مفروض من الخارج.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فلنُجمِل الحصيلة: حاول كلُّ مَن كتب حول الأخلاق تقريبًا إرجاعَها إلى بداية وحيدة: إلى وحي علوي، أو إلى شعور طبيعي فطري، يفهم المنفعة الشخصية أو المجتمعية فهمًا حكيمًا. لكنْ، عمليًّا، تبدو الأخلاق نظامًا معقدًا للمشاعر والمفاهيم، تطوَّر في بطء، وواصل تطورَه في البشرية. ولا بدَّ، في الحدِّ الأدنى، من تمييز ثلاثة أقسام رئيسية فيه: غريزة (عادة مورَّثة) التَّعاشُر، العدالة كمفهوم عقلي، وأخيرًا القسم الذي يتم تحريضه من قِبل العقل والذي يمكن تسميتُه نكران الذات أو التضحية بالنفس. بل حتى في الوقت الراهن، حيث تُنفَّذُ قاعدةُ «اعمل لنفسك أولاً» الفردانية individualism المتطرِّفة، قولاً وفعلاً، يشكِّل التكافل والسعي النزيه لخدمة المجتمع جزءًا مهمًّا من حياة المجتمع، بحيث ما كان للبشرية لولا ذلك أن تستمرَّ في الحياة ولو لبضعة عقود من الزمن.&lt;br /&gt;________&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;* الأمير پيوتر ألكسيي?تش كْرَپوتْكِن (1842-1921) مفكِّر ثوري روسي؛ وهو جغرافي وجيولوجي وعالم اجتماع، كما أنه منظِّر للأنارخية. كتب في الأخلاق والتاريخ، وقام بوضع «القانون البيولوجي للتعاون» القائم في الطبيعة والمجتمع. وقد ألقى كْرَپوتْكِن هذه المحاضرة في كلٍّ من مانشستر ولندن في العام 1880، لكنها لم تُنشَر باللغة الروسية إلا في العام 1920. وهو يحاجج فيها الداروِني الإنكليزي ت. هَكْسلي الذي يؤكِّد، مناقضًا داروِن، على «عدم وجود منشأ طبيعي للأخلاق في الإنسان» وعلى أن «الطبيعة تعلِّم الإنسانَ الشرَّ فحسب».&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-7440557478610674566?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/7440557478610674566/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_7652.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/7440557478610674566'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/7440557478610674566'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_7652.html' title='العـداله و الأخــلاق - كـربـوتـكــن'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-8866782335287547208</id><published>2010-04-11T01:48:00.002+03:00</published><updated>2010-04-11T01:54:52.792+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>الرسـاله الوجـوديه - محـي الدين بن عربي</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;وأيُّ الأرض تخلو منكَ حتَّى * تعالَوا يطلبونكَ في السـماءِ&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;تراهم ينظرون إليك جَهْـرًا * وهُمْ لا يبصرون من العَماءِ&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;– الحسين بن منصور الحلاَّج&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فمتى عرفتَ نفسَك ارتفعتْ أنانيتُك، وعرفتَ أنكَ لم تكن غيرَ الله.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;– محيي الدين بن عربي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;تقديم&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;التصـوُّف والحُـلُولـيَّة&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لا نظنُّنا نغالي إن قلنا بأن الإسلام ككل محتوى في عقيدة التوحيد: فإثبات وحدانية الله وعدم الشرك به هو من عامة المؤمنين المحور الواضح البسيط الذي تدور عليه حياتُهم الدينية. أما الخاصة من أهل الباطن، فالتوحيد منهم هو الباب الذي ينفتح على الحقيقة الذاتية: فكلما أمعن عقلُ المتصوف، على هَدْي من بصيرته، في سَبْرِ ظاهر البساطة العقلانية للوحدانية الإلهية، تبيَّن له أن هذه البساطة أعمق غورًا وأشد تعقيدًا – إلى أن يبلغ به الأمرُ حدًّا يتعذر بعده التوفيقُ بين مختلف أوجُه التوحيد بالعقل الخطابي discursive reason وحده؛ إذ إن تفكُّره في هذه الأوجُه بالغٌ لا محالة بمَلَكة التفكير حدودَ استيعابها القصوى، وبذلك يتاح للعقل أن يختبر حالَ جَمْع[1] يتعدى كلَّ تصور شكلاني. في عبارة أخرى، فإن للكشف فيما يتعدى الصور وحده أن يرقى إلى الوحدانية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;المفهومُ المركزي الذي يتخلَّل مذهبَ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كلَّه هو وحدة الوجود. ومازال الجدلُ دائرًا حول ما إذا كان يقصد بهذا المصطلح وصف عقيدة توحيدية لا يوجد بمقتضاها إلا الواحد وحده. بيد أن الإجابة بالإيجاب عن هذه المسألة لا تشير إلى نقلة حاسمة في الإلهيات الإسلامية، لأن ابن عربي لم يفعل، في الواقع، غير الدفع بمذهب المتكلِّمين الأشاعرة حتى أقصى مداه؛ إذ إن إصرار الأشعري على قدرة الله الكلِّية وهيمنته على الكون ينطوي، منطقيًّا، على أن الله هو خالق الأفعال، وبالتالي، الفاعل الأوحد[2]. لذا ترانا لا نجانب المنطق إنْ قلنا، قياسًا على ذلك، وعلى غرار ابن عربي، بأن الله هو الموجود الأوحد.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في كتابه الأشهر فصوص الحكم، يتكلم الشيخ الأكبر على التحقق الروحي بوصفه "تخللاً" متبادلاً بين الله والإنسان. فالله، إذا جاز القول، يتخذ الصورة البشرية: فمن منظور أول، يكون اللاهوت محتوى الناسوت، حيث الثاني "إناء" للأول، على حدِّ عبارته[3]؛ ومن منظور آخر، يُمتص الإنسانُ في الحق الذي يستهلكه تمامًا. في عبارة أخرى، يكون الحق حاضرًا في دخيلة الخلق (الإنسان)، ويكون الخلق ممحوقًا[4] في الحق. إنما لا بدَّ من فهم هذا الكلام من منظور مخصوص يتصل بالتحقق الروحي: فابن عربي، إذ يضع هذين النسقين من تخلُّل الله للإنسان وتخلُّل الإنسان لله جنبًا إلى جنب على التوازي، يدقِّق في "الفص الإبراهيمي":&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;اعلم أنه ما تخلَّل شيءٌ شيئًا إلا كان محمولاً فيه. [...] فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلقُ جميعَ أسماء الحق، سمعَه وبصرَه وجميعَ نسبه وإدراكاته. وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمعُ الخلق وبصرُه ويدُه ورجلُه وجميعُ قواه [...]. ثم إن الذات لو تعرَّت عن هذه النسب لم تكن إلهًا. وهذه النسب أحدثتْها أعيانُنا: فنحن جعلناه بمألوهيَّتنا إلهًا، فلا يُعرَف حتى نعرف. [...] فإن بعض الحكماء وأبا حامد [الغزالي] ادَّعوا أنه يُعرَف الله من غير نظر في العالم – وهذا غلط. نعم، تُعرَف ذاتٌ قديمة أزلية، لا يُعرَف أنها إله حتى يُعرَف المألوه – فهو الدليل عليه. ثم بعد هذا، في ثاني حال، يعطيك الكشف أن الحقَّ نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيَّته، وأن العالم ليس إلا تجلِّيه في صور أعيانهم الثابتة[5] التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوَّع ويتصوَّر بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها – وهذا بعد العلم به منَّا أنه إلهٌ لنا. ثم يأتي الكشف الآخر، فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا، ويتميَّز بعضنا عن بعض.[6]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في "التخلل" الأول، يكشف الله عن نفسه بوصفه الذات التي تعرف من خلال ملَكات الإنسان الإدراكية وتفعل عبر ملَكاته العملية؛ أما في "التخلل" الثاني، المعاكس للأول، فيتحرك الإنسان، إذا جاز القول، في أبعاد الوجود الإلهي التي، فيما يخصه، تُستقطَب بحيث تُقابِلُ كلَّ ملَكة أو صفة بشرية صفةٌ من الصفات الإلهية. وهذا معبَّر عنه في الحديث القدسي المشهور:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;كثيرًا ما التبست مذاهبُ المشرق الباطنية جميعًا (كما وبعض مذاهب الغرب) على الباحثين الغربيين "البرانيين"، وعلى "المتغرِّبين" من أبناء الشرق أيضًا، بمذهب الحلولية pantheism. غير أن الحلولية لا تصادَف في الواقع إلا في حالة عدد من الفلاسفة الأوروبيين وبعض الشرقيين ممَّن تأثروا بالفكر الغربي في القرن التاسع عشر. فالحلولية قد نشأت عن النزعة الفكرية عينها التي تفتَّقت، أولاً، عن المذهب الطبيعي naturalism، ومن بعدُ، عن المذهب المادي الحديث. يقول سيد حسين نصر:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;أما ما أغفله النقَّاد ممَّن يتَّهمون الصوفيين بـ"الحلولية" فهو الفرق بين التوحيد الذاتي بين الوجود الظاهر ومبدئه الوجودي وبين عينيَّتهما واستمرارهما الجوهري. وهذا المفهوم الأخير مُحال عقلاً، ويتناقض مع كلِّ ما قاله محيي الدين [بن عربي] والصوفيون الآخرون في خصوص الذات الإلهية.[7]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فالحلولية، كما يتبين، لا تتصور العلاقةَ بين المبدأ الإلهي والعالم إلا من منظور الاستمرارية الجوهرية أو الوجودية – وهذا غلط ينبذه كلُّ مذهب باطني نقلي بما لا لبس فيه ولا إبهام[8].&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فلو كانت ثمة استمرارية تجوِّز المقارنةَ بين الحق والخلق، بين الله والكون المتجلِّي، على نحو ما يُقارَن بين الغصن وجذع الشجرة الذي يتفرع منه الغصن، لكانت هذه الاستمرارية، أو لنقل، هذه "الذاتية" المشتركة بين الحدَّين، إما متعيِّنة بمبدأ أعلى لا تتميَّز عنه، وإما متعالية هي نفسها عن هذين الحدَّين اللذين تشد واحدَهما إلى الآخر وتكتنفهما جميعًا بمعنى ما، وبالتالي، لما كان الحق إذ ذاك هو الحق. لذا يصح، إلى حدٍّ ما، القولُ بأن الحق هو عينه هذه الاستمرارية أو هذه الأحدية، على ألا تُتصوَّر باعتبارها "خارجه"، وذلك لأن&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[...] الحق لا ضد له، ولا ند له، ولا ينتسب إلى أين، [...] ليس بعَرَض فيحتاج إلى حامل يقوم وجودُه &lt;عليه&gt;، ولا بجوهر فيشارك الجواهر في حقيقة الجوهرية.[9]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وهو منزَّه عن كلِّ شيء متجلٍّ، لكنْ دون إمكان وجود شيء "خارجه" أو "سواه"، كما يؤكد صاحب الرسالة الوجودية[10]:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[...] كان ولا بَعْد معه ولا قبل، ولا فوق ولا تحت، ولا قُرْب ولا بُعْد، ولا كيف، ولا أين ولا حين، ولا أوان ولا وقت ولا زمان، ولا كون ولا مكان، وهو الآن كما كان.هو الواحد بلا وحدانية، وهو الفرد بلا فردانية. ليس مركَّبًا من الاسم والمسمَّى: هو الأول بلا أولية وهو الآخِر بلا آخِرية، وهو الظاهر بلا ظاهرية وهو الباطن بلا باطنية [...]. فلا أول ولا آخِر ولا ظاهر ولا باطن إلا وهو بلا صيران. [...] – فافهم هذا لئلا تقع في غلط الحلولية.لا هو في شيء، ولا شيء فيه، لا داخلاً ولا خارجًا. [...] لا يراه إلا هو، ولا يدركه إلا هو، ولا يعلمه إلا هو بنفسه، وبنفسه يعرف نفسه؛ يرى نفسه، لا يراه أحدٌ غيره.حجابه وحدانيته، فلا يحجبه شيء غير حجابه. وجوده وحدانيته، تستَّر بوحدانيته بلا كيفية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يقول سيد حسين نصر معلِّقًا على هذا المقبوس:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;من الصعب أن يُتهَم بالحلولية مَن يذهب إلى هذا الحدِّ في تأكيد تعالي الله. إن ما يريد ابن عربي أن يثبته هو أن الوجود الإلهي متميِّز عن مظاهره وأنه متعالٍ عنها؛ إلا أن المظاهر ليست منفصلة من كلِّ وجه عن الوجود الإلهي الذي يكتنفها بوجه ما.[11]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإذا عَرَضَ لبعض أهل الباطن من الصوفية أن يستعملوا صورة استمرارية "مادية" تعبيرًا عن الوحدة الجوهرية للأشياء، تمامًا كما يشبِّه الأد?يتيون الهنود الأشياء بآنية تختلف من حيث الشكل لكنها جميًعا مصنوعة من الصلصال[12]، فإنهم على بيِّنة من قصور مثل هذا التشبيه. ناهيكم أن هذا القصور، البيِّن تمامًا، يدفع بعيدًا بالخطر المتمثل في قراءة القوم في أيِّ شيء أكثر من إشارة أو رمز. أما فيما يخص الإشارة نفسها، فإن مسوِّغها يتأسس على التناظُر المعكوس القائم بين الوحدة الجوهرية للأشياء – وكلها "مصنوع من العلم" – وبين وحدتها "المادية" التي لا تمت بصلة إلى أية نظرية "سببية" (بالمعنى الكوني للكلمة)، اللهم إلا أن يُعتبَر الحق العلة الأولى أو "السبب الأول"، فيكون بذلك "مسبِّب" كلِّ شيء.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ويحسن بنا هاهنا أن نضيف بأن الصوفي المتحقق لا ينزع أبدًا إلى تقييد الحقيقة بأيِّ نسق من أنساقها (كالاستمرارية الذاتية)، ولا في أية مرتبة من مراتبها (كالوجود المحسوس أو الوجود العقلي)، دون الأنساق أو المراتب الوجودية الأخرى؛ بل إنه، على العكس، يتعرف إلى مراتب للحقيقة لا عدَّ لها، ولا تقبل القَلْب، بحيث يجوز القول في النسبي إنه واحد ومبدأه[13]، أو حتى بأنه "عين" مبدئه، على الرغم من القول بأن الأصل مبطون في فرعه غير صحيح من منظور المبدأ الذي لا وجود لسواه، كما تلح الرسالة الوجودية مرارًا وتكرارًا. من هنا لا يصح أخذ قول فريد الدين العطار&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;سأقولُ لكم ما لم يُقَلْ:&lt;br /&gt;أيُّ الأسرار بقي محتجبًا&lt;br /&gt;&lt;بعد أن&gt; رأيت وجه الحبيب جهرًا؟&lt;br /&gt;ها أنا ذا أشي بسرِّ الأسرار الخفية:&lt;br /&gt;اعلمْ، أخي، أن النقش هو النقَّاش&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;على محمل الحلولية؛ وإنما مؤدَّاه أن الموجودات كلَّها، منظورًا إليها من حيث حقيقتُها الذاتية، هي الحق، من دون أن يكون الحق هو "عين" هذه الموجودات[14] – وهذا، لا بمعنى أن حقيقته تستبعدها، بل بمعنى أن حقيقتها في مرأى من كماله والعدمَ سيَّان[15]. وهكذا يكون وجود السواء، في نظر ابن عربي، هو "بطون الحق في الخلق والخلق في الحق"[16].&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن الأحدية، التي تغيب فيها الكثرةُ الوجودية أو تنعدم، لا تتناقض البتة وفكرةَ عدد غير محدود من مراتب الوجود: فهاتان الحقيقتان، على العكس، وثيقتا الصلة إحداهما بالأخرى. وهذا ينجلي حالما يُنظَر في الكمال الإلهي "من خلال" كلٍّ منهما: إذ ذاك فإن الكامل، إنْ صحَّ التمثيل، "يضيق" أو "يتسع" بحسب ما يُنظَر إليه إما في تعيُّنه المبدئي، أي الأحدية، وإما في انعكاسه الكوني، أي طبيعة الوجود الذي لا تنضب تجلياتُه ولا تني تتعيَّن. يدل على ذلك قول الشيخ الأكبر:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;يا خـالـقَ الأشـياءِ في نفسـه * أنـتَ لِمَـا تخـلقُـه جـامـعُ&lt;br /&gt;تخلقُ مـا لا ينتهـي كـونُه فيـ * ـك فأنـتَ الضـيِّقُ الواسـعُ[17]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن هذا المنظور يمكِّننا من فهم أن مذهب التوحيد عند الصوفية (وهو بالدقة، على الرغم من الاختلاف في التسمية، مذهب "اللاثنوية" ال?يدنتي الهندي عينه) لا صلة البتة بينه وبين أية "وحدانية" monism فلسفية بالمعنى المعاصر، كما يحاول أن يزعم بعضُ منتقدي العارفين من الصوفية، كابن عربي وعبد الكريم الجيلي. فكما يقول سيد حسين نصر:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;إن اصطلاح "الوحدانية الوجودية" monisme existentiel ليس تعريفًا مناسبًا [بوحدة الوجود] أيضًا، لأن "الوحدانية" [...] تفترض نظامًا فلسفيًّا فكريًّا يقابل مثلاً الثنوية، ولفظة "وجودية" تخلط بين الاستمرار الذاتي بين الأشياء ومبدئها وبين الاستمرار الجوهري، أو بين النظرة الأفقية والنظرة العمودية.[18]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وإن رأي هؤلاء النقاد لمما يزيد من دهشتنا، على اعتبار أن منهجية مذهب الصوفيَّين المذكورَين إنما تقوم على إبراز الأضداد الأونطولوجية القصوى وعلى النظر في الأحدية لا بالاختزال المنطقي العقلاني للعالم، بل بالجمع كَشْفًا بين الأضداد والنظائر في الخبرة الصوفية المباشرة[19]. يتابع سيد حسين نصر:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[الأحدية] مركز الدائرة التي يوجد الكل فيها الذي يقف العقلُ أمامه حائرًا. فهي تشتمل على اجتماع "الأضداد" الذي لا يمكن أن يُرَدَّ إلى مقولات العقل البشري أو إلى وحدانيةٍ تنعدم معها الفوارقُ الوجودية ويُغفَل الوضعُ المتعالي الذي يحتله المركزُ بالنسبة إلى كلِّ المتناقضات التي تنحل جميعًا فيه.[20]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;أخيرًا، نترك المقال للشيخ الأكبر نفسه:&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لو علمتَه لم يكن هو، ولو جهلكَ لم تكن أنت. فبعلمه أوجدك، وبعجزك عبدتَه. فهو هو لِهُوَ، لا لك، وأنت أنتَ لأنتَ ولَهُ. فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك. الدائرة، مطلقةً، مرتبطة بالنقطة؛ النقطة، مطلقةً، ليست مرتبطة بالدائرة؛ نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة. كذلك الذات، مطلقةً، ليست مرتبطة بك. ألوهية الذات مرتبطة بالمألوه [أنت] كنقطة الدائرة [في ارتباطها بالدائرة].[21]&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ديمتري أ?ييرينوس&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;* * *&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;مراجع&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        ابن عربي (محيي الدين)، اصطلاح الصوفية، بتحقيق گوستا? فلوگل (نسخة بالأوفست ضمن كتاب التعريفات للشريف الجرجاني)، بيروت، 1985.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        ابن عربي (محيي الدين)، الفتوحات المكية، بتحقيق وتقديم عثمان يحيى، السفر الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        ابن عربي (محيي الدين)، فصوص الحكم، بتحقيق وشرح أبو العلا عفيفي، بيروت، ب.ت.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        الإسكندري (ابن عطاء الله)، الحكم العطائية، بضبط وتقديم إبراهيم اليعقوبي، دمشق/بيروت، 1985.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        الجيلي (عبد الكريم)، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، القاهرة، 1981.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        السهروردي الإشراقي، هياكل النور، بتقديم وتحقيق وتعليق محمد علي أبو ريان، القاهرة، 1957.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        الحلاج (الحسين بن منصور)، الديوان، يليه كتاب الطواسين، صنعَه وأصلحَه كامل مصطفى الشيبي، كولن، 1997.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        شنكرَ، معرفة الذات، حلقة الدراسات الهندية 4، بيروت، طب 1: 1997.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        الكاشاني (عبد الرزاق)، اصطلاحات الصوفية، بتحقيق وتقديم وتعليق عبد الخالق محمود، القاهرة، طب 2: 1984.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        الكلاباذي (أبو بكر محمد)، التعرف لمذهب أهل التصوف، بتحرير عبد الحليم محمود، بيروت، 1980 (نسخة بالأوفست عن طب القاهرة، 1960).&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-        نصر (سيد حسين)، ثلاثة حكماء مسلمين، بترجمة صلاح الصاوي ومراجعة وتنقيح ماجد فخري، بيروت، 1986.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;-          Schuon, Frithjof, Islam and the Perennial Philosophy, tr. J. Peter Hobson, Preface by Seyyed Hossein Nasr, World of Islam Festival Publishing Company Ltd, 1976.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;* * *&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;الرسالة الوجودية&lt;br /&gt;في معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم&lt;br /&gt;"مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه"&lt;br /&gt;للسيد الإمام العالم المحقِّق صاحب الشريعة والحقيقة&lt;br /&gt;محيي الدين أبي عبد الله محمد بن العربي&lt;br /&gt;الطائي الحاتمي الأندلسي&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;بسم الله الرحمن الرحيم&lt;br /&gt;الحمد لله ربِّ العالمين&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في معنى قول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم –: "مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه"&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;الحمد لله الذي لم يكن قبل وحدانيته قبلُ إلا والقبل هو، ولم يكن بعد فردانيَّته بَعْدُ إلا والبَعْد هو. كان ولا بَعْد معه ولا قبل، ولا فوق ولا تحت، ولا قُرْب ولا بُعْد، ولا كيف، ولا أين ولا حين، ولا أوان ولا وقت ولا زمان، ولا كون ولا مكان، وهو الآن كما كان.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;هو الواحد بلا وحدانية، وهو الفرد بلا فردانية. ليس مركَّبًا من الاسم والمسمَّى: هو الأول بلا أولية وهو الآخِر بلا آخِرية، وهو الظاهر بلا ظاهرية وهو الباطن بلا باطنية؛ أعني أنه هو وجود حروف "الأول" وهو وجود حروف "الآخِر"، وهو وجود حروف "الباطن" وهو وجود حروف "الظاهر". فلا أول ولا آخِر ولا ظاهر ولا باطن إلا وهو بلا صيران. هذه الحروف وجوده، وصيران وجوده هذه الحروف. – فافهم هذا لئلا تقع في غلط الحلولية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;لا هو في شيء، ولا شيء فيه، لا داخلاً ولا خارجًا. ينبغي أن نعرفه بهذه الصفة، لا بالعلم ولا بالعقل، ولا بالفهم ولا بالوهم ولا بالعين، ولا بالحسِّ الظاهر ولا بالعين الباطن ولا بالإدراك. لا يراه إلا هو، ولا يدركه إلا هو، ولا يعلمه إلا هو بنفسه، وبنفسه يعرف نفسه؛ يرى نفسه، لا يراه أحدٌ غيره.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;حجابه وحدانيته، فلا يحجبه شيءٌ غير حجابه. وجوده وحدانيته، تستَّر بوحدانيته بلا كيفية. لا يراه أحدٌ غيره: لا نبي مرسل، ولا ولي كامل، ولا مَلَك مقرَّب يعرفه. نبيُّه هو، ورسوله هو، ورسالته هو، وكلامه هو: أرسلَ نفسَه بنفسه من نفسه إلى نفسه، لا واسطة ولا سبب غيره، ولا تفاوُت بين المرسِل والمرسَل به والمرسَل إليه. وجود حروف الثناء وجوده لا غير، لا ثناؤه ولا اسمه ولا مُسمَّاه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم –: "عرفت ربِّي بربِّي، مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه."[22] وقال – صلى الله عليه وسلم –: "عرفت ربِّي بربِّي." أشار – صلى الله عليه وسلم – بذلك أنك لست أنت، &lt;بل&gt; أنت هو بلا أنت: لا هو داخل فيك ولا هو خارج منك، ولا أنت خارج منه ولا أنت داخل فيه؛ ولا بذلك أنك موجود وصفتك هكذا أبدًا: غني به. إنك ما كنت قط ولا تكون، لا بنفسك ولا فيه ولا معه، ولا أنت فانٍ ولا موجود. أنت هو، وهو أنت، بلا علَّة من هذه العلل. فإن عرفتَ وجودك بهذه الصفة فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وأكثر العُرَّاف أضافوا معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وفناء الفناء[23] – وذلك غلط وسهو واضح: فإن معرفة الله – تعالى – لا تحتاج إلى فناء الوجود ولا إلى فناء فنائه، لأن الشيء لا وجود له، وما لا وجود له لا فناء له؛ فإن الفناء بعد إثبات الوجود. فإذا عرفت نفسك بلا وجود ولا فناء فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وفي إضافة معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وإلى فناء فنائه إثباتُ الشرك، لأنك إذا أضفت معرفة الله إلى فناء الوجود وفناء الفناء، كان الوجود لغير الله ونقيضه – وهناك شرك واضح، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، ولم يقل: "مَن فني عن نفسه عرف ربَّه." فإن إثبات الغير يناقض فناءه، وما لا يجوز ثبوتُه لا يجوز فناؤه. وجودك لا شيء، واللاشيء لا يُضاف إلى شيء، لا فانٍ ولا غير فانٍ، ولا موجود ولا معدوم. &lt;أنت&gt; الآن كما كنتَ معدَمًا قبل التكوين. فالآن الأزل، والآن الأبد، والآن القِدَم. فالله هو وجود الأزل ووجود الأبد ووجود القِدَم؛ فإنه بلا وجود الأزل والأبد والقِدَم لم يكن كذلك ما كان وحده لا شريك له. وواجب أن يكون وحده لا شريك له: فإن "شريكه" هو الذي يكون وجودُه بذاته، لا بوجود الله؛ ومَن يكن كذلك لم يكن محتاجًا إليه، فيكون إذًا ربًّا ثانيًا – وذلك محال: فليس لله شريك ولا ندٌّ ولا كفؤ. ومَن رأى شيئًا مع الله أو من الله أو في الله – وذلك الشيء يحتاج إلى الله بالربوبية – فقد جعل ذلك الشيء أيضًا شريكًا يحتاج إلى الله بالربوبية. ومن جوَّزَ أن يكون مع الله شيءٌ يقوم بنفسه، أو يقوم به، أو هو فانٍ عن وجوده أو عن فنائه، فهو بعدُ ما شمَّ رائحة معرفة النفس، لأن مَن جوَّزَ أن يكون موجودًا سواه، قائمًا به، فيه يصير فانيًا في فنائه، فتسلسل الفناء بالفناء، – وذلك شِرْك بعد شِرْك، وليس بمعرفة النفس، – هو مُشْرِك، لا عارف بالله ولا بنفسه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ قال قائل: "كيف السبيل إلى معرفة النفس وإلى معرفة الله؟"، فالجواب: سبيل معرفتها أن تعلم وتتحقق أن الله – عزَّ وجل – كان ولم يكن معه شيء، وهو الآن كما كان. فإنْ قال قائل: "أنا أرى نفسي غير الله، ولا أرى الله نفسي"، فالجواب: أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – بـ"النفس" وجودَك وحقيقتك، لا النفس المسمَّاة بـ"الأمَّارة" و"اللوَّامة" و"المطمئنة" [يوسف 53، القيامة 2، الفجر 27]؛ بل أشار بـ"النفس" إلى ما سوى[24] الله جميعًا، كما قال – صلى الله عليه وسلم –: "اللهم أرِني الأشياء كما هي": عبَّر بالأشياء عما سوى الله – سبحانه وتعالى –، أي عرِّفْني ما سواك لأعلم وأعرف الأشياء أيَّ شيء هي: أهي أنت أم غيرك، أهي قديم باقٍ أم حادث فانٍ؟ فأراه الله – تعالى – ما سواه نفسَه بلا وجود ما سواه، فرأى الأشياء "كما هي"؛ أعني الأشياء ذات الله – تعالى – بلا كيف ولا أين.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;واسم الأشياء يقع على النفس وغيرها من الأشياء. فإن وجود النفس ووجود الأشياء سيَّان في الشيئية: فمتى عرف الأشياءَ عرف النفس، ومتى عرف النفسَ فقد عرف الربَّ، لأن الذي يظن أنَّـ&lt;ـه&gt; سوى الله ليس هو سوى الله. ولكنك لا تعرف وأنت تراه، ولا تعلم أنك تراه. ومتى يكشف لك هذا السر، علمتَ أنك لست ما سوى الله، وعلمت أنك كنت مقصودًا، وأنك لا تحتاج إلى الفناء، وأنك لم تزل ولا تزال، بلا حين ولا أوان، كما ذكرنا قبل. جميع صفاته صفاتك، وترى ظاهرَك ظاهرَه وباطنَك باطنَه، وأولك أولَه وآخِرَك آخِرَه، بلا شك ولا ريب؛ وترى صفاتِك صفاتِه وذاتَك ذاتَه، بلا صيرورتك إيَّاه وصيرورته إيَّاك، ولا بقليل ولا بكثير.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;"كلُّ شيء هالكٌ إلا وجَهه" [القصص 88]، بالظاهر والباطن، يعني: لا موجود إلا هو؛ ولا وجود لغيره فيحتاج إلى الهلاك. و"يبقى وجهُه" [الرحمن 27] يعني: لا شيء إلا وجهه. فكما أن مَن لم يعرف شيئًا، ثم عَرَفَه، ما فني وجودُه بوجود آخر، ولا تركَّب وجودُ المُنكِر بوجود العارف، ولا تداخَل بالأثر. &lt;هنا&gt; يقع الجهل: فلا تظن أنك تحتاج إلى الفناء؛ فإن احتجت إلى الفناء فأنت إذًا حجابه – والحجاب غير الله؛ فليزم غلبةُ غيره عليه بالدفع عن رؤيته له. – وهذا غلط وسهو.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;قد ذكرنا قبل أن حجابه وحدانيته وفردانيَّته لا غير. ولهذا أجاز للواصل إلى الحقيقة أن يقول: "أنا الحق" وأن يقول: "سبحاني". وما وصل واصلٌ إليه إلا ورأى صفاتِه صفاتِ الله، وذاتَه ذاتَ الله، بلا كون صفاتُه ولا ذاتُه داخلاً في الله أو خارجًا منه قط، ولا أنه فانٍ من الله أو باقٍ في الله، &lt;أو&gt; يرى نفسه أنْ لم يكن له &lt;وجود&gt; قط لأنه كان ثم فني؛ فإنه لا نفس إلا نفسه، ولا وجود إلا وجوده. وإلى هذا أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: "لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر"، ونزَّه الله – تبارك وتعالى – عن الشريك والند والكفؤ.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ورُوِيَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إن الله – تعالى – قال: يا ابن آدم، مرضتُ ولم تَعُدْني، وسألتكَ ولم تُعطِني": أشار إلى أن وجودَ السائل وجودُه، ووجودَ المريض وجودُه. فمتى جاز أن يكون وجودُ السائل وجودَه ووجودُ جميع الأشياء من المكوَّنات من الأعراض والجواهر وجودَه، ومتى ظهر سرُّ ذرة من الذرات، ظهر سرُّ جميع المكوَّنات الظاهرة والباطنة؛ ولا نرى الذرين سوى الله، بلا وجود الذرين، اسمهما ومسمَّاهما، بل اسمهما ومسمَّاهما ووجودهما كلهما هو، بلا شك ولا ريب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولا ترى أنه – تعالى – خلق شيئًا قط، بل ترى "كلَّ يوم هو &lt;في&gt; شأنٍ" [الرحمن 29] من إظهار وجوده وإخفائه بلا كيفية، لأنه "هو الأول والآخِر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيء عليم" [الحديد 3]: ظهر بوحدانيته وبَطُنَ بفردانيَّته، وهو الأول بذاته وقيوميَّته وهو الآخِر بديموميَّته. وجود حروف "الأول" هو ووجود حروف "الآخِر" هو، ووجود حروف "الظاهر" هو ووجود حروف "الباطن" هو؛ هو اسمه وهو مسمَّاه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وكما يجب وجودُه يجب عدمُ ما سوى: فإن الذي تظن أنه سواه ليس سواه، – تَنَزَّه أن يكون غيره، – بل غيرُه هو، بلا غيرية الغير، مع وجوده وفي وجوده، ظاهرًا وباطنًا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ولِمَنِ اتصف بهذه الصفة أوصافٌ كثيرة لا حدَّ ولا نهاية لها. فكما أن مَن مات بصورته انقطع جميعُ أوصافه عنه، المحمودة والمذمومة، كذلك مَن مات بالموت المعنوي[25] ينقطع عنه جميعُ أوصافه، المذمومة والمحمودة، ويقوم الله – تعالى – مقامَه في جميع الحالات، فيقوم مقامَ ذاته ذاتُ الله – تعالى – ومقامَ صفاته صفاتُ الله – تعالى –. ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: "موتوا قبل أن تموتوا"، أي اعرفوا أنفسكم قبل أن تموتوا؛ وقال – صلى الله عليه وسلم –: "قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه، فإذا أحببتُه كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا"، إلى آخره، فأشار إلى أن مَن عرف نفسه يرى جميع وجوده، ولا تغيرًا في ذاته ولا صفاته. ولا يحتاج إلى تغيُّر صفاته، إذ لم يكن هو وجود ذاته، بل كان جاهلاً بمعرفة نفسه. فمتى عرفتَ نفسَك ارتفعتْ أنانيتُك، وعرفت أنك لم تكن غير الله[26]. فإنْ كان لك وجود مستقل، لا يحتاج إلى الفناء ولا إلى معرفة النفس، فتكون ربًّا سواه. فتبارك الله – تعالى – أن يوجَد ربٌّ سواه.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ففائدة معرفة النفس أن تعلم وتحقِّق أن وجودك ليس موجودًا ولا معدومًا، ولست كائنًا ولا كنت ولا تكون قط. ويظهر لك بذلك معنى "لا إله إلا الله" [الصافات 35]: إذ لا إله غيره، ولا وجود لغيره؛ فلا غير سواه، ولا إله إلا إيَّاه. فإن قال قائل: "عطَّلتَ ربوبيتَه"، فالجواب: لم أعطِّل ربوبيته لأنه لم يزل ربًّا – ولا مربوب – ولم يزل خالقًا – ولا مخلوق –، وهو الآن كما كان. أترى خلاقته وربوبيته لا تحتاج إلى مخلوق ولا إلى مربوب: فهو بتكوين المكوَّنات كان موصوفًا بجميع أوصافه، وهو الآن كما كان. فلا تفاوُت بين الجهة والقِدَم: فوحدانية الجهة مقتضى ظاهريته، ووحدانية القِدَم مقتضى باطنيَّته. ظاهرُه باطنُه وباطنُه ظاهرُه، أولُه آخِرُه وآخِرُه أولُه، والجميع واحد والواحد جميع. كان صفته "كلَّ يوم هو في شأنٍ"، وما كان شيء سواه، وهو الآن كما كان. ولا موجود لما سواه بالحقيقة، كما كان في الأزل والقِدَم. "كل يوم هو في شأن"، ولا شيء موجود: فهو الآن كما كان. فوجودُ الموجودات وعدمُها سيَّان – وإلا لَلَزِمَ طيران طار لم يكن في وحدانيَّته، وذلك نقص. – وجلَّت وحدانيته عن ذلك.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ومتى عرفت نفسَك بهذه الصفة، من غير إضافة ضدٍّ أو ندٍّ أو كفؤ أو شريك إلى الله – تعالى – فقد عرفتَها بالحقيقة. ولذلك قال – صلى الله عليه وسلم –: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، ولم يقل: "مَن أفنى نفسَه فقد عرف ربَّه." فإنه – صلى الله عليه وسلم – علم ورأى أن لا شيء سواه، ثم أشار إلى أن معرفة النفس هي معرفة الله – تعالى –، أي اعرف نفسك، أي وجودك أنك لست أنت، ولكنك لا تعرف؛ أي اعرف أن وجودك ليس بوجودك ولا غير وجودك: فلست بموجود ولا بمعدوم، ولا غير موجود ولا غير معدوم. وجودُك وعدمُك وجودُه بلا وجود ولا عدم، لأن عينَ وجودك وعدمك وجودُه، ولأن عينَ وجوده وجودُك وعدمُك.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ رأيتَ الأشياء بلا رؤية شيء آخر مع الله – تعالى – وفي الله أنها هو، فقد عرفتَ نفسَك. فإن معرفة النفس بهذه الصفة هي معرفة الله – بلا شك ولا ريب ولا تركيب شيء من الحدث مع القديم وفيه وبه. فإن سألك سائل: "كيف السبيل إلى وصاله؟ – فقد أثبتَّ أن لا غير سواه، والشيء الواحد لا يصل إلى نفسه"، فالجواب: لا شكَّ أنه في الحقيقة لا وَصْل ولا فَصْل، ولا بُعْد ولا قُرْب، لأنه لا يمكن الوصال إلا بين اثنين: فإن لم يكن إلا واحد، فلا وَصْل ولا فَصْل. فإن الوصال يحتاج إلى اثنين متساويين: فهما شبهان، وإن كانا غير متساويين فهما ضدَّان؛ وهو – تعالى – منزَّه أن يكون له ضد أو ند. فالوصال في غير الوصال، والقُرْب في غير القُرْب، والبُعد في غير البُعد، فيكون وَصْلٌ بلا وَصْل، وقُرْب بلا قُرْب، وبُعْد بلا بُعْد.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإن قيل: "فهمنا الوَصْلَ بلا وَصْل. فما معنى القُرْب بلا قُرْب والبُعْد بلا بُعْد؟"، فالجواب: أعني أنك، في أوان القُرْب والبُعْد، لم تكن شيئًا سواه، ولكنك لم تكن عارفًا بنفسك ولم تعلم أنك هو بلا أنت. فمتى وصلتَ إلى الله – تعالى –، أي عرفتَ نفسَك بلا وجود حروف العرفان، علمتَ أنك كنت إيَّاه، وما كنت تعرف قبل أنك هو أو غيره. فإذا حصل العرفان، علمتَ أنك عرفت الله بالله، لا بنفسك.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;مثال ذلك: هَبْ بمعنى أنك لا تعرف بأن اسمك محمود أو مسمَّاك محمود – فإن الاسم والمسمَّى في الحقيقة واحد –، وتظن أن اسمك محمد، وبعد أحيان عرفت أنك محمود، فوجودك باقٍ، واسم محمد ومسمَّى المحمود ارتفع عنك بمعرفتك نفسك أنك محمود. (ولم تكن محمدًا إلا بالفناء عن نفسك، لأن الفناء يكون بعد إثبات وجود ما سواه؛ ومَن أثبت وجودَ ما سواه فقد أشرَكَ به – تبارك وتعالى.) فما نقص من المحمود شيء، ولا محمد فني في المحمود، ولا دخل فيه ولا خرج منه، ولا حلَّ محمود في محمد. فبعدما عرف المحمودُ نفسَه أنه محمود، لا محمد، عرف نفسَه بنفسه، لا بمحمد، لأن محمدًا ما كان، فكيف يعرف به شيئًا كائنًا؟ فإذن العارف والمعروف واحد، والواصل والموصول واحد، والرائي والمرئي واحد. فالعارف صفتُه والمعروف ذاتُه، والواصل صفتُه والموصول ذاتُه، والصفة والموصوف واحد.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;هذا بيان "مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّه": فمَن فهم هذا المثال علم أنه لا وَصْل ولا فَصْل، وعلم أن العارف هو والمعروفَ هو، والرائي هو والمرئي هو، والواصل هو والموصول هو. فما وصل إليه غيرُه، وما انفصل عنه غيرُه. فمَن فهم ذلك خلص من شَرَك الشِّرْك. – وإلا فلم يشم رائحة الخلاص من الشرك.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وأكثر العُرَّاف الذين ظنوا أنهم عرفوا نفوسهم وعرفوا ربَّهم، وأنهم خلصوا من غفلة الوجود، قالوا إن الطريق لا تتيسَّر إلا بالفناء وبفناء الفناء، وذلك لعدم فهمهم قولَ النبي – صلى الله عليه وسلم – ولظنِّهم أنهم – بمحض الشرك – أشاروا طورًا إلى نفي الوجود، أي فناء الوجود، وطورًا إلى الفناء، وطورًا إلى فناء الفناء، وطورًا إلى المحو، وطورًا إلى الاصطلام[27] – وهذه الإشارات كلها شِرْك محض: فإن مَن جوَّز أن يكون شيءٌ سواه ويفنى بعده، وجوَّز فناءَ فنائه، فقد أثبت شيئًا سواه؛ ومَن أثبت شيئًا سواه فقد أشرك به – تعالى –. – أرشدهم الله وإيَّانا إلى سواء السبيل.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;شعر&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ظنـنتَ ظـنـونًـا بأنَّـك أنـتَ * ومـا أن تكـونَ ولا قـط كنـتَ&lt;br /&gt;فـإنْ أنـت أنـتَ فـإنَّــك ربٌّ * وثـانـي اثنـيـن، دَعْ ما ظننتَ&lt;br /&gt;فـلا فـرق بيـن وجـوديـكمـا * فمـا بـانَ عنك ولا عنـه بِنْـتَ&lt;br /&gt;فإن قلتَ – جهلاً – بأنَّـك غيـرَه * حَسُنْتَ، وإنْ زال جـهـلُك كُنـتَ&lt;br /&gt;فوصـلُك هَجْـرٌ وهجـرُك وَصْـلٌ * وبُعدُك قُـرْب – بهـذا حَـسُـنْتَ&lt;br /&gt;دَعِ العقـلَ وافهمْ بنـور انكـشـ * ـافٍ – ليلى تفوقُ ما عنه وصفتَ&lt;br /&gt;ولا تُـشْـرِكْ مــع الله شـيـئًا * لئـلاَّ تهـونَ – فالشـرك هُـنْتَ&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ قال قائل: "أنت تشير إلى أن عرفانك نفسَك هو عرفان الله – تعالى –، والعارف بنفسه غير الله، وغير الله كيف يعرف الله وكيف يصل إليه؟"، فالجواب: مَن عرف نفسَه علم أن وجوده ليس بوجوده ولا غير وجوده، بل وجودُه وجود الله بلا صيرورة، وجودُه وجود الله بلا دخول، وجودُه في الله ولا خروج منه. ولا يكون وجودُه معه وفيه، بل يرى وجودَه بحاله: ما كان قبل أن يكون، بلا فناء، ولا محو، ولا فناءِ فناء. فإن فناء الشيء بقدرة الله – تعالى –؛ وهذا محالٌ واضح صريح. فتبيَّن أن عرفان العارف بنفسه هو عرفان الله – سبحانه وتعالى – نفسُه، لأن نفسه ليس إلا هو. وعنى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بـ"النفس" الوجود. فمَن وصل إلى هذا المقام، لم يكن وجودُه في الظاهر والباطن وجودَه، بل وجودُه وجود الله، وكلامُه كلام الله، وفعلُه فعل الله، ودعواه معرفة الله هو دعواه معرفة الله نفسَه بنفسه. ولكنك تسمع الدعوى منه، وترى الفعل منه، وترى غير الله كما ترى نفسَك غير الله، بجهلك بمعرفة نفسك. فإن "المؤمن مرآة المؤمن": فهو بعينه، أي ينظره؛ فإن عينَه عينُ الله، ونظرَه نظرُ الله بلا كيفية: لا هو هو بعينك أو علمك أو فهمك أو وهمك أو ظنك أو رؤيتك، بل هو هو بعينه وعلمه ورؤيته. فإنْ قال قائل: "إنِّي الله، فإن الله يقول: إنِّي الله"، فالجواب: لا هو، ولكنك ما وصلتَ إلى ما وصل إليه؛ فإنْ وصلتَ إلى ما وصل إليه، فهمتَ ما يقول، وقلتَ ما يقول، ورأيتَ ما يرى.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وعلى الجملة، وجودُ الأشياء وجودُه بك، بلا وجودهم. فلا تقضِ في شُبهة، ولا تتوهمنَّ بهذه الإشارات أن الله مخلوق. فإن بعض العارفين قال: "الصوفي غير مخلوق"، وذلك بعد الكشف التام وزوال الشكوك والأوهام. وهذه اللقم لمَن له خَلْقٌ أوسع من الكونين؛ فأما مَن كان خَلقُه كالكونين فلا توافقْه، فإنها أعظم من الكونين.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وعلى الجملة أن الرائي والمرئي، والواجِد والموجود، والعارف والمعروف، والموحِّد &lt;والموحَّد&gt;، والمدرِك والمدرَك واحد: هو يرى وجودَه بوجوده، ويعرف وجودَه بوجوده، ويدرك وجودَه بوجوده، بلا كيفية إدراك ورؤية ومعرفة، وبلا وجود حروف صورة الإدراك والرؤية والمعرفة. فكما أن وجوده بلا كيفية، فرؤية نفسه بلا كيفية، وإدراكه نفسه بلا كيفية، ومعرفة نفسه بلا كيفية.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ سأل سائل وقال: "بأيِّ نظر تنظر إلى جميع المكروهات والمحبوبات؟ فإذا رأينا، مثلاً، روثًا أو جيفة أنقول هو الله؟"، فالجواب: تعالى وتقدَّس حاشا ثم حاشا أن يكون شيئًا من هذه الأشياء! وكلامنا مع مَن لا يرى الجيفةَ جيفةً والروثَ روثًا، بل كلامُنا مع مَن له بصيرة وليس بأكْمَه. فمَن لم يعرف نفسه فهو أكْمَه وأعمى؛ وقبل ذهاب الأكْمَهية والعَمى، لا يصل إلى هذه المعاني ولا هذه المخاطبة مع الله – لا مع غير الله ولا مع الأكْمَه. فإن الواصل إلى هذا المقام يعلم أنه ليس غير الله. وخطابنا مع مَن له عزم وهمَّة في طلب العرفان وفي طلب معرفة النفس، ويطرُؤ في قلبه صورة في الطلب واشتياق إلى الوصول إلى الله – تعالى –، لا مع مَن لا قصد ولا مقصد له.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ سأل سائل وقال: "قال الله تعالى: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" [الأنعام 103]، وأنت تقول بخلافه، فما حقيقة ما تقول؟"، فالجواب: جميع ما قلنا هو معنى قوله: "لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ"، أي ليس أحدٌ في الوجود، ولا بصر مع أحد يدركه. فلو جاز أن يكون غيرُه، لجاز أن يدركه غيرُه. وقد نبَّه الله – سبحانه وتعالى – بقوله: "لا تدركه الأبصار" على أن ليس غيره سواه، يعني لا يدركه غيرُه، بل يدركه هو. فلا غيره إلا هو: فهو المدرِك لذاته لا غير؛ فلا تدركه الأبصار، إذ &lt;ما&gt; الأبصار إلا وجوده. ومَن قال إنها لا تدركه لأنها مُحدَثة، والمُحدَث لا يدرِك القديم الباقي، فهو بعدُ لم يعرف نفسه. إذ لا شيء ولا الأبصار إلا هو. فهو يدرك وجودَه بلا وجود الإدراك وبلا كيفية لا غير.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;شعر&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;عـرفـتُ الـربَّ بالـربِّ * بلا نَـقْـصٍ ولا عـيـبِ&lt;br /&gt;فـذاتــي ذاتُـه حــقًّا * بـلا شــكٍّ ولا ريــبِ&lt;br /&gt;ولا صـيران بينـهـمـا * فنفسـي مظـهـرُ الغيبِ&lt;br /&gt;ومنـذ عـرفتُـه نفسـي * بـلا مَـزْجٍ ولا شَــوْبِ&lt;br /&gt;وصـلتُ وَصْلَ محبـوبـي * بـلا بُـعْـدٍ ولا قُــرْبِ&lt;br /&gt;ونلـتُ عطـاءَ ذي فيـضٍ * بـلا مـنٍّ ولا سَــلْـبِ&lt;br /&gt;ولا فـنـيـتْ له نفـسي * ولا يـبـقــى لـه ذوب&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;فإنْ سأل سائل وقال: "أنت أثبتَّ الله وتنفي كلَّ شيء، فما هذه الأشياء التي تراها؟"، فالجواب: هذه المقالات مع مَن لا يرى سوى الله شيئًا. ومَن يرى شيئًا سوى الله فليس لنا معه جواب ولا سؤال؛ فإنه لا يرى غير ما يرى. ومَن عرف نفسَه لا يرى غير الله، ومَن لم يعرف نفسه لا يرى الله – تعالى –؛ وكل إناء يرشح بما فيه. وقد شرحنا كثيرًا من قبلُ، وإنْ نشرح أكثر من ذلك فمَن لا يرى لا يرى ولا يفهم ولا يدرك، ومَن يَرَ يرَ ويفهم ويدرك. فالواصل تكفيه الإشارة، وغير الواصل لا يصل، لا بالتعليم ولا بالتفهيم ولا بالتقرير ولا بالعقل ولا بالعلم – إلا بخدمة شيخ فاضل وأستاذ حاذق وسالك ليهتدي بنوره ويسلك بهمَّته ويصل به إلى مقصوده، – إنشاء الله تعالى.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;وفَّقنا الله لما يحب ويرضى من القول والفعل والعلم والعمل والنور والهدى، إنه على كلِّ شيء قدير وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى على سيدنا محمد وآله وصحبه المحبِّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;في بيان الطريق وبيان السالك والمسلوك إليه وبيان علاماتها&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ابتداؤها السلوك، وانتهاؤها الأول في انتهاء السلوك وابتدائها الآخر. فإن لم تفهم هذه الإشارة ما شممتَ رائحة التوحيد. وأصل المقصود وجود الدائرة المدوَّرة، لا خارجها ولا داخلها. ابتداء الدائرة انتهاؤها، وانتهاؤها ابتداؤها. والدائرة طريق السير في الوجود. في معرفة النفس، الوجودُ هو المنزل سعةً. تبتدئ الطريق، ولكنه لا يعرف ولا يعلم، ويرى وجوده غير الله. فمتى وصل نفسه، أي وجوده، بلا شك ولا ارتياب، تبيَّن له سعةً أنه كان واصلاً في الابتداء أو موصولاً، ولكنه لا يعرف الوصول. ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه." والنبي – صلى الله عليه وسلم – عرف في الابتداء، وسلك الطريق بالمعرفة. ولهذا ابتداؤه انتهاءُ الصدِّيقين، وانتهاءُ الصدِّيقين ابتداؤه، لأنهم عرفوا الأسرار في الانتهاء. – وشتَّان بين مَن تقدَّم في الابتداء ومَن تقدَّم في الانتهاء. فابتداء العشق وجود المقصود وشوق إرادة المقصود. العشق هو والشوق أنت. ابتداءُ العشق الشوق، وانتهاء &lt;الشوق&gt; العشق. – فافهم ذلك.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;ليس في المقام مقام أعلى وأجل في الابتداء من العشق، لأن جميع ما ذكرناه – وجود العشق، واسم العشق، وصورة العشق ومعناه – &lt;هو&gt; العشق ومقصود العشق. والدائرة، وجميع ما داخلها وخارجها، &lt;هي&gt; العشق: أعني العشق المعرَّى من العشق واسمه. – فافهم.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;الشوق وجودُه، واسمُه ليس بمُحدَث ولا بقديم، بل هو هو، بلا حَدَثان. وقِدَمُ الشوق يصير في الابتداء عشقًا. وصاحب الشوق، متى وصل إلى الانتهاء، يرى شوقه عشقًا، ويعرف أن شوقه كان وجود العشق، ولكنه لم يعرفه، ويرى جميع المكوَّنات وجودَ العشق والمعشوق والعاشق، ولا يرى بينه وبين جميع المخلوقات تفاوُتًا، ويرى جميع المخلوقات وجودَه، ولا يرجِّح نفسه بالوَصْل على مَن لم يشم رائحة الوصول قط. ولا فرق بينه وبين الحيوانات والجمادات، وبين الشيء وضده؛ وهذه صفة مَن يكون وجوده الموصول، لا صفة الواصل والوصال والوَصْل، ولا صفة العاشق والعشق، بل صفة المعشوق، لأن التفاوت بين هذه الأشياء يكون في نظر مَن ليس له نظرٌ بعدُ. وأما مَن له نظر فلا تفاوُت بينها، بل الجميع سواء عند الله. – والله أعلم بالصواب.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;تمَّت الرسالة الوجودية بعون الله – تعالى –&lt;br /&gt;و&lt;منَّة&gt; منه وكرمه ولطفه؛ وبالله التوفيق؛&lt;br /&gt;والحمد لله وحده؛ وصلَّى الله&lt;br /&gt;على سيِّدنا محمد وآلِه&lt;br /&gt;وصحبه وسلَّم.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;*** *** ***&lt;br /&gt;&lt;br /&gt; &lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[1] "الجمع: شهود الحق بلا خلق." (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 62)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[2] See: Frithjof Schuon, Islam and the Perennial Philosophy, pp. 118-21.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[3] ابن عربي، فصوص الحكم، "فص حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية"، ص 84. بالمثل، يقول الحلاج (الديوان، ص 26):&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;سبحانَ من أظهرَ ناسـوتُه * سرَّ سَنا لاهـوتِه الثاقـبِ&lt;br /&gt;ثم بَدا في خَلْقِـه ظـاهرًا * في صورة الآكل والشـاربِ&lt;br /&gt;حتى لقد عـاينَـه خَلْقُـه * كلحظةِ الحاجبِ بالحـاجبِ&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[4] "المحق: فناء وجود العبد في ذات الحق [بحيث] لا يرى وجودًا إلا للحق." (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 96)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[5] "العين الثابتة: هي حقيقة الشيء في الحضرة العلمية؛ ليست موجودة، بل معدومة، ثابتة في علم الله [...]." (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 143-4)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[6] فصوص الحكم، "فص حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية"، ص 81-2. بمقدار ما يُتخلَّل الإنسانُ بالروح الإلهي، يعرف العقلُ الإنساني الأشياءَ كلَّها في أعيانها؛ لكن هذه المعرفة الذاتية على الإجمال تتمايز على التفصيل بمقدار ما ينخلع نورُ العقل على الأشياء المفردة.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[7] سيد حسين نصر، ثلاثة حكماء مسلمين، ص 138. راجع أيضًا مناقشة نصر (ص 138-9) لمصطلحَي "الحلول" panentheism (ر. نيكلسون) والتصوف "الطبيعي" mystique naturelle الذي أطلقه جاك ماريتان على التصوف الإسلامي وغيره من المذاهب الباطنية المشرقية (ويقابله عنده التصوفُ المسيحي "الفائق للطبيعة" surnaturelle). وجلي بالطبع أن موقف ماريتان وأشياعه من المفكرين الكاثوليك هو خير وسيلة لاستبعاد مذهب ذي خاصية عالمية، تنطوي الثقافاتُ جميعًا على شيء من بقاياه مازال حيًّا، وإنْ يكُ محفوظًا في بنى نقلية ثابتة قد تبلغ حدَّ الجمود أحيانًا كثيرة. إن هذا المذهب يجد في الإنسان تفتحَه النهائي عبر سيرورة تحقُّق منهاجُها وشكلُها ملازمان لكلِّ طريقة باطنية نقلية، أيًّا كانت، دون أن يقتضي هذا بالضرورة اطلاعَ جميع السالكين في الطريقة على المضمون العميق للمذهب. وهذه السيرورة الخاضعة لقوانين دقيقة للغاية ومتشابهة (مهما يكن الصعيد الذي تختص به) هي سيرورة المُسارَرة initiation.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[8] من الأسباب التي أوقعت المستشرقين في التباس وحدة الوجود بالحلولية، على ما يبدو لنا، اشتمالُ كلمة "وجود" العربية على معنيَي الأيس esse ("الكينونة") والوجود existentia، حيث إن كلمة "وجود" تتضمن معنى الكينونة أيضًا. من ذلك أن "الكينونة المطلقة" Absolute Being هي الوجود المحض في مذهب الصوفية. من هنا لا يُتصوَّر في الإلهيات المشرقية وجودٌ منفصل عن الكينونة أو الأيس. والفعل الثلاثي وجد يتضمن كذلك معنى "الإيجاد"، كما يتضمن بصيغة المبني للمجهول (وُجِدَ) معنى الوجدان، وبذلك يشير إلى تكافؤ معنيَي الكينونة والمعرفة (الوجدان) في "عينهما"، أي مبدئهما. يقول السهروردي القتيل في ذلك: "معرفةُ الشيء عينُ وجوده"، ويقول ابن عربي عن الوجود إنه "وجدان الحقِّ [أي معرفته] في الوجد" (اصطلاح الصوفية، ص 287)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[9] السهروردي، هياكل النور، الهيكل الرابع، الفصل الأول، ص 60.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[10] مهما يكن من أمر صحة نسبة هذه الرسالة إلى صوفية آخرين، فإنها تمثل قطعًا خلاصةً لمذهب الشيخ الأكبر في وحدة الوجود وذروةً له.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[11] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 141.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[12] يقول الحكيم الهندي شنكراتشاريا: "الذات [آتما] هو حقًّا هذا الكون كله، وما من شيء آخر سوى الذات. يدرك اليوگي الذاتَ في كلِّ شيء كحال الصلصال من الجِرار، إلخ." (معرفة الذات، ف 48، ص 67)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[13] نقصد بكلمة "مبدأ" هنا العلَّة الأونطولوجية المستقلة عن معلولاتها.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[14] يقول شنكرا: "ليس كمثل برهمن شيءٌ من الكون؛ ولا يوجد شيءٌ إلا وهو برهمن. فإذا بدا أن أيَّ شيء سوى برهمن موجود فهو وهم، كالسراب في الصحراء." (معرفة الذات، ف 63، ص 71)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[15] يقول ابن عطاء: "الأكوان ثابتة بإثباته وممحوَّة بأحدية ذاته." (الحكم العطائية، الحكمة 141، ص 51)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[16] اصطلاح الصوفية، ص 297.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[17] فصوص الحكم، "فص حكمة حقِّية في كلمة إسحاقية"، ص 88.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[18] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 139.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[19] يقول ابن عربي: "قال الخراز – رحمه الله تعالى، وهو وجه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه – بأن الله لا يُعرَف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها: فهو الأول والآخِر والظاهر والباطن. فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره." (فصوص الحكم، "فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية"، ص 76-77) بالمثل، فإن الكاشاني (اصطلاحات الصوفية، ص 94) يسمِّي "الهوية المطلقة التي هي حضرة تعانُق الأطراف" بـ"مجمع الأضداد".&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[20] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 141.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[21] ابن عربي، الفتوحات المكية، السفر 1، ف 315، ص 212.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[22] أغلب الظن أنه ليس بحديث، بل هو كلام يُنسَب إلى يحيى بن معاذ الرازي. لكن ابن عربي لا يأبه كثيرًا لإسناد الحديث، بل يعوِّل على خبرته الروحية للتأكد من صحة معناه، يقول: "قد صحَّ لدينا تحققًا."&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[23] بحسب الكلاباذي، الفناء "هو الغيبة عن الأشياء رأسًا" و"حال مَن لا يشهد صفتَه، بل يشهدها مغيَّبةً بمغيِّبها" (نقلاً عن أبي القاسم فارس)؛ و"الفاني"، بحسب الكلاباذي أيضًا، مَن "يغيِّبه [الله] عن رؤية صفته [...]، فلا يبقى فيه إلا ما مِنَ الله إليه، ويفنى عنه ما منه إلى الله، فيكون كما كان: إذ كان في علم الله قبل أن يوجِدَه [...]." وفناء الفناء هو أن "يؤخذ العبدُ من كلِّ رسم كان له وعن كلِّ مرسوم، فيبقى في وقته بلا بقاء يعلمه، ولا فناء يشعر به، ولا وقت يقف عليه، بل يكون خالقُه عالمًا ببقائه وفنائه ووقته [...]." (التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 125-7)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[24] "السوى: هو الغير، وهو الأعيان من حيث تعيُّناتها." (الجرجاني، التعريفات، ص 128)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[25] "الموت: باصطلاح القوم، قمع هوى النفس؛ فإن حياتها به، ولا تميل إلى لذاتها وشهواتها ومقتضيات الطبيعة البدنية إلا به. وإذا مالت إلى الجهة السفلية جذبت القلب، الذي هو النفس الناطقة، إلى مركزها، فيموت عن الحياة الحقيقية العلمية التي له بالجهل. فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه، انصرف القلبُ بالطبع والمحبة الأصلية إلى عالمه: عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل الموت أصلاً." (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 105)&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[26] مع ذلك، فإن الذات الفردية للإنسان المتحقق تبقى حتمًا على نحو ما؛ لكنها لا "تبقى" إلا بمعنى أن هذا الكائن الذي مازال يحمل اسم "إنسان" لا يشعر بأنه هو "نفسه" إلا بتخلل العقل الإلهي إياه. فلو لم يبقَ فيه شيءٌ من الذات الفردية بمعنى من المعاني لما وُجِدَ تواصُل ذاتي رابط ما بين خبراته البشرية. على أن العلاقة بين الحقيقة وبين ما تبقَّى من فردية الإنسان المتحقق روحيًّا من أعسر الأمور فهمًا: ففي الإنسان الذي بلغ هذه المرتبة من الكمال لا تعود الحقيقة "محتجبة" بشيء، في حين أن الوعي الفردي بالتعريف حجاب، وهو غير موجود إلا بمقدار ما يعكس النورَ الباهرَ للعقل الإلهي.&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;[27] "الاصطلام: نعت وَلَهٍ يَرِدُ على القلب، فيسكن تحت سلطانه." (ابن عربي، اصطلاح الصوفية، ص 292)&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;الكاتب : مجهول&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-8866782335287547208?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/8866782335287547208/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_7960.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/8866782335287547208'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/8866782335287547208'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_7960.html' title='الرسـاله الوجـوديه - محـي الدين بن عربي'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-6851024050657510871</id><published>2010-04-11T01:37:00.001+03:00</published><updated>2010-04-11T01:40:05.785+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>التـصــوف و المـنـطــق ...</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;br /&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;التصوف و المنطق &lt;/span&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;برتراند راسل &lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="color:#ff0000;"&gt;بقلم : حسين عجة .&lt;br /&gt;&lt;/span&gt;&lt;br /&gt;تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم. لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب : فإذا أخذنا "هيوم" مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند "بليك" العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة. لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف : فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول، شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف.&lt;br /&gt;قبل أن أُبين الخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف، سأقدم هنا عنهما أمثلة مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين امتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه. هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون.&lt;br /&gt;لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منهسوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه.&lt;br /&gt;يقول: "الأشياء التي يمكن أن تُرى،أوأن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر"&lt;br /&gt;إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن "الشمس جديدة في كل يوم"، واحدة من تلك الشذرات؛ تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان.&lt;br /&gt;يقول:"هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهوالآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضيء، فيما يخمد مكيال آخر".&lt;br /&gt;"تحولات النار هي، قبل أي شيء آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة" تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علميا حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون : "لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة". غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات : "نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط؛ لأننا موجودون وغير موجودين".&lt;br /&gt;أن مقارنة هذه العبارة، الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شيء أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله :&lt;br /&gt;"الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل".&lt;br /&gt;فالمخيلة الشعرية،لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم،بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية. والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات : "واحد هما الخير والشر"، كما يقول: "كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً" .&lt;br /&gt;ترتكز أخلاقية (إتيك (هيرقليطس على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي : "طبع الإنسان هو مصيره"؛ بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول : "تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى"، وكذلك : "يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح"، وأيضاً : "الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض"(1(&lt;br /&gt;يمكننا مضاعفة الأمثلة، لكن ما قدمناه منها يكفي لإظهار مزاج الرجل: أن الحقائق العلمية، كما بدت له، تُغذي الشعلة في روحه، وفي ضوئها يرى أعماق العالم المنعكسة عبر رقصه الخاص الرشيق الذي تنفذ فيه النار. أعتقد أن الوحدة الحقيقية للمتصوف ورجل العلم، كما تتجسد عبر طبع كهذا، هي السمو الأعظم الذي يمكن تحقيقه في عالم الفكر.&lt;br /&gt;كذلك يتعايش هذان الدافعان عند أفلاطون، مع أن الدافع الصوفي هو الأقوى لديه، وهو الذي يضمن له الانتصار النهائي في كل مرة يحدث فيها صراع بينهما. فوصفه للكهف هو بمثابة تعبير كلاسيكي عن الإيمان بمعرفة وواقع أكثر مصداقية وأشد واقعية من معرفة وواقع الحواس:&lt;br /&gt;"تخيل(2) مجموعة من الناس تعيش في غرفة كالكهف تحت الأرض، بمدخل مفتوح على النور، منتشرين على طول الكهف وهم ملزمون، منذ طفولتهم، بالبقاء فيه، أقدامهم وأعناقهم مربوطة بقوة بحيث ترغمهم على الجلوس باستقامة والنظر أمامهم، لأن السلاسل التي توثقهم تجعل من المستحيل عليهم أن يديروا رؤوسهم من حولهم : ولتتخيل بأن ناراً رائعة متقدة في مكان بعيد عنهم، من فوقهم ومن خلفهم، وبأن درباً مرتفعاً يمر ما بين النار والسجناء، وعلى طوله بُنيَ جدار منخفض، كتلك الشاشات التي يضعها السحرة أمام جمهور مشاهديهم، والذين يعرضون من خلالها أعاجيبهم".&lt;br /&gt;-لقد تخيلت ذلك.&lt;br /&gt;"لتتخيل أيضاً بأن مجموعة من الأشخاص تتجول خلف ذلك الجدار، وهم يحملون معهم تماثيل صغيرة بشرية وصورا لحيوانات أخرى، منقوشة في الخشب والحجارة وفي كل أنواع المواد،سوية مع غيرها من الحاجيات المتنوعة التي تعلو ذلك الجدار؛ وكما ينبغي أن تتوقع، بأن بعض أولئك المارين يتكلم، والبعض الآخر منهم صامت"-أنت تصف مشهداً غريباً، وسجناء غريبين.&lt;br /&gt;-إنهم يشبهوننا.&lt;br /&gt;"لتتصور الآن ما الذي سيحدث لو أن الطبيعة قد حلتهم من قيودهم، وجلبت لهم شفاءً من جنونهم بالطريقة التالية. دعنا نفترض بأن أحدهم قد تم تحريره، وأرغم مباشرة على النهوض من فوق قدميه، وطلب منه أن يدير رقبته ومن ثم يمشي وعيناه مفتوحتان باتجاه النور؛ ودعنا نفترض كذلك بأنه قام بجميع تلك الحركات بألم، وبأن تلك الروعة المتألقة قد جعلته عاجزاً عن التمييز بين الأشياء التي كان معتاداً على رؤيتها سابقاً كظلال. ما الجواب الذي تتوقع أن يقدمه، لو أن أحدهم قال له بأن ما كان يراه في تلك الأيام هو أشباح مضحكة، لكنه في الوقت الحاضر أقرب إلى الواقع، وبأنه ينظر الآن باتجاه أشياء أكثر واقعية، وهو يرى بصورة صحيحة أكبر؛ بالإضافة إلى ذلك، إذا ما أشار إليه على عدد من تلك الأشياء التي تمر، وسأله وأجبره على الإجابة عما هي؟ ألا تعتقد بأنه سيرتبك، وسيعتبر تلك الرؤى أكثر واقعية من هذه الأشياء التي هو مرغم في الوقت الحاضر على ملاحظتها؟ "&lt;br /&gt;-نعم، أكثر حقيقية...&lt;br /&gt;"لذا، فأنا أفترض بأن الاعتياد سيكون ضرورياً له لكي يتمكن من إدراك الأشياء القائمة في العالم العلوي. في البداية، سيفلح كثيراً في التمييز ما بين الظلال، بعدها سيفرز انعكاسات البشر والأشياء الأخرى في المياه، وفي النهاية سيتعرف على الواقعيات، ثم سيرفع نظره لرؤية القمر والنجوم، وسيجد بأنه من الأسهل عليه تأمل الأجساد السماوية والسماء ذاتها، أكثر من قدرته على تأمل الشمس في نورها النهاري" .&lt;br /&gt;-لا شك في ذلك.&lt;br /&gt;"وفي نهاية الأمر، أتخيل بأنه سيكون أكثر قدرة على مراقبة طبيعة الشمس وتأملها، ليس كما تظهر من خلال المياه أو الأرض الغريبة عنها، ولكن مثلما هي عليه بحد ذاتها في نطاقها" .&lt;br /&gt;-بطبيعة الحال.&lt;br /&gt;"ستكون خطوته اللاحقة استخلاص النتيجة، أي إن الشمس هي مبدعة الفصول والأعوام،وحارس جميع الأشياء في العالم المرئي، وبأنها بمعنى ما علة كل الأشياء التي كان معتاداً هوورفاقه على رؤيتها" .&lt;br /&gt;- من الجلي، ستكون تلك هي خطوته اللاحقة...&lt;br /&gt;"عليك، يا عزيزي "غلاكون"، أن تطبق الآن هذه الحالة المُتخيلة على ما قلناه سابقاً، وذلك بمقارنة المنطقة التي تكشف عنها العين بذلك السجن، والنار بقوة الشمس : فإذا ما كنت قادراً، عبر الصعود إلى الأعلى وتأمل العالم الفوقي، على فهم ارتقاء الروح إلى المنطقة الروحية، فإنك ستدرك توجه حدسي؛ ما دمتَ تريد مني إخبارك به، مع أن الرب وحده يعرف في الحقيقة إذا ما كان صحيحاً. لكن، إذا ما قبلناها كما هي عليه، فإن للرؤية التي اتخذتها أنا من الموضوع العاقبة التالية: في عالم المعرفة، يكون الشكل الجوهري للخير حداً لاستطلاعاتنا؛ لكن إذا ما تم إدراكه هكذا، ليس علينا الاستنتاج بأنه هو بالذات ينبوع كل حالة من حالات الروعة والجمال، -ففي العالم المرئي يُمنح النور وأداته الرئيسية، وفي عالم الروح يوفر مباشرة وبكامل السلطان الحقيقة والعقل؛ -لهذا على كل من يريد العمل بحكمة، في حياته الخاصة أو العامة، وضع شكل الخير نصب عينيه" .&lt;br /&gt;لكن في هذا المقطع، كما في غيره من تعاليم أفلاطون، هناك توحيد ما بين الخير وما هو واقعي في الحقيقة، وذلك ما ستجسده الفلسفة التقليدية، وما زال قائماً حتى في أيامنا هذه. بمنحه المشرع وظيفة كهذه، يكون أفلاطون قد أحدث طلاقاً بين الفلسفة والعلم انعكست سلبياً وما زالت، من وجهة نظري، عليهما كليهما. لذا ينبغي على رجل العلم، مهما كانت تطلعاته، وضعها جانباً عند دراسته للطبيعة؛ وعلى الفيلسوف القيام بذات الشيء، إذا كان يطمح إلى قول الحقيقة. إذ لا يمكن للاعتبارات الأخلاقية الظهور شرعياً إلا حينما يتم ضمان الحقيقة : بمقدور تلك الاعتبارات وعليها الظهور كونها ما يحدد إحساسنا حيال الحقيقة، وطريقتنا في توجيه حياتنا في ضوء الحقيقة، ولكن ليس كونها هي منْ يملي علينا ما ينبغي أن تكون عليه تلك الحقيقة.&lt;br /&gt;ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار ليبرمنيدس.&lt;br /&gt;فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بيرمنيدس بالمضي وأن "لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة". وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها : لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها.&lt;br /&gt;كذلك فإن لبيرمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون –أي التصوف الذي يمكننا تسميته "بالمنطقي"، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بيرمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبارمنذ أيامه وحتى هيغل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولاتغييره، أو تجزئته؛ "فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجيء إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي". فالمبدأالجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيغل : "لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شيء واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به " .وأيضاً " لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون". تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ.&lt;br /&gt;تتميز الفلسفة الصوفية، في كل الأزمنة وفي جميع أنحاء العالم، بمثل هذه المعتقدات التي قدمنا عنها أمثلة عبر تلك العقائد التي فحصناها.فهناك، أولاً، الإيمان بالرؤية الداخلية باعتبارها ما يُعاكس المعرفة المنطقية التحليلية : الإيمان بطريق الحكمة المفاجئة، النافذة والمُرغمةِ، المتعارضة مع الدراسة المتأنية وغير المعصومة لظهور العالم الخارجي التي يقوم بها العلم المرتكز برمته على الحواس. إذ لا بد أن يكون جميع أولئك الذين يتمتعون بالقدرة على الاستغراق في الانفعال الداخلي قد عاشوا تجربة ذلك الشعور الغريب المتعلق بلا واقعية المواضيع العامة، وفقدوا اتصالهم بالأشياء العادية اليومية، التي تلاشت معها صلابة العالم الخارجي، ومن ثم بدت الروح في عزلتها التامة، وتكون قد جلبت بهذا، من أعماقها، ذلك الرقص المخبول للأشباح الفنطازية التي تظهر الآن وكأنها واقع مستقل وحي. ذلكهو الجانب السلبي في التعاليم الصوفية : الشك المرتبط بالمعرفة العامة يُعَبد الطريق أمام استقبال ما يبدو وكأنه حكمة أسمى. إن غالبية الناس المتآلفين مع هذا الجانب السلبي لا يذهبون أبعد من ذلك، لكنه لا يمثل عند المتصوف سوى الباب نحو عالم أوسع.&lt;br /&gt;تشرع الرؤية الصوفية مع الإحساس بأن ثمة شيئا ما غريبا يكشف عن حكمة مُخبأة تظهر الآن فجأة كحكمة يقينية وبعيدة عن أية إمكانية للشك فيها. فالإحساس باليقين والوحي يتحقق قبل أي إيمان مُحدّد. أما الإيمان المُحدّد الذي يبلغه المتصوفة فيتولد عبر تأملهم للتجربة غير المترابطة والتي يحصلون عليها وقت الرؤية. فحالات الإيمان غير المتصلة بتلك اللحظة غالباً ما تنجذب بالنتيجة نحو النوى المركزية؛ وهكذا نجد، بالإضافة إلى المعتقدات التي يتقاسمها كل المتصوفة، أو غالبها، معتقدات أخرى ذات طبيعة محلية ووقتية أكبر، وهي ستختلط من دون شك بما كان صوفياً في جوهره وفقاً ليقينهم الذاتي. قد يمكننا تجاهل امتدادات لا جوهرية كهذه، لكي نركز انتباهنا على المعتقدات التي يتشارك فيها جميع المتصوفة.&lt;br /&gt;إن الحصيلة الأولى للحظة التجلي تلك هي الإيمان بإمكانية وجود طريق للمعرفة، ربما يمكننا تسميته بالوحي، أو الرؤية الداخلية أو الحدس، وذلك بمعارضته للحواس، والعقل، والتحليل التي يتم النظر إليها باعتبارها توجيهات تؤدي إلى شرك الوهم. كما يرتبط هذا الإيمان بقوة بالاعتقاد بوجود واقع وراء العالم الظاهري ومختلف عنه تماماً. غالباً ما ينظر إلى ذلك الواقع بإعجاب يصل حد العبادة؛ويتم الشعور به دائماً وفي كل مكان باعتباره مؤكداً وممسكاً به في اليد، لكن خيالات الحواس تغطيه بضعف، وهو جاهز، بالنسبة للعقل الذي يتلقاه، للتألق بمجده حتى عبر الجنون والضعف الظاهريين للإنسان. فالشاعر، والفنان، والمُحبِ يبحثون عن المجد : الجمالية التي تقطن مخيلتهم ويلاحقونها ما هي سوى الانعكاس الباهت لتلك الرؤية. فيما يعيش المتصوف في نورها الكامل : ما يبحث عنه الآخرون بغموض، هو تلك المعرفة التي لا تكون أية معرفة أخرى مقارنة بها شيئاً آخر غير الجهل.&lt;br /&gt;الخاصية الثانية للتصوف هي إيمانه بالوحدة، ورفضه لكل تعارض أو انقسام حيثما يكون.&lt;br /&gt;فنحن قد لاحظنا هريقليطس يقول "إن الخير والشر واحد"، ويقول كذلك "الدرب الصاعد والدرب النازل هما ذات ونفس الشيء الواحد". كما يظهر نفس الموقف عبر تأكيد الافتراضات المتعارضة بصورة متزامنة "نحن ننزل ولا ننزل في ذات النهر؛ نحن موجودون وغير موجودين". وكذلك تأكيد بيرمنيدس بأن الواقع هو واحد ولا يتجزأ، ينطلق من نفس الدافع نحو الوحدة. أما عند أفلاطون، فيهمن هذا الدافع بشكل أقل، لأنه مقيد بنظريته عن الأفكار؛ بيد أنه يعاود الظهور، بالقدر الذي يسمحُ فيه منطقه، من خلال عقيدته بأولية الخير.&lt;br /&gt;أما الخاصية الثالثة لكل فلسفة صوفية فهي رفضها لواقعية الزمن. وتلك محصلة لرفضها الانقسام؛ فإذا كان الكل واحداً، سيصبح تمييز الماضي عن المستقبل شيئاً وهمياً. لقد رأينا أن هذه العقيدة واضحة عند بيرمنيدس؛ وهي تتخذ صفة جذرية عند المحدثين، كما هو الأمر في نظامي سبينوزا وهيغل.&lt;br /&gt;إن آخر المعتقدات الصوفية التي ينبغي علينا فحصها هي إيمانها بأن كل الشرور لا تشكل سوى مظهر ينتج عن تقسيمات الذهن التحليلي ومتناقضاته. غير أن الصوفية لا تقول بأن أشياءً كالقسوة، مثلاً، صالحة، لكنها ترفض التسليم بأنها واقعية: إنها تنتمي إلى عالم الأشباح السفلي الذي ينبغي تحريرها منه بفضل الرؤية الداخلية. وفي بعض الأحيان –كما هو الأمر عند هيغل، مثلاً، وعلى الأقل لفظياً عند سبينوزا- ليس الشر وحده ما يُنظر إليه باعتباره وهماً، بل وأيضاً الخير، وذلك بالرغم من أن الموقف الانفعالي حيال ما يؤخذ باعتباره الواقع يجري التعامل معه وكأنه من الطبيعي ربطه بالإيمان القائل بأن الواقع شيء خير. وعلى أية حال، إن ما يميز الإتيكية الصوفية هو غياب الاحتجاج فيها، القبول المغتبط، وعدم تسليمها بالحقيقة النهائية للانقسام ما بين معسكرين متحاربين، أي ما بين الخير والشر. إن هذا الموقف هو حصيلة لطبيعة التجربة الصوفية: تربط المعنى الذي تعطيه للوحدة بشعور لا متناه بالسلام. في الحقيقة ينبغي الشك بأن الإحساس بالسلام هذا يولّد، كما تقوم بذلك الأحاسيس في الأحلام، نظاماً كاملاً من المعتقدات المترابطة التي تشكل جسد العقيدة الصوفية. بيد أن ذلك يبقى سؤالاً صعباً، وهو واحد من تلك القضايا التي لا يمكن أن يؤمل باتفاق الجنس البشري حيالها.&lt;br /&gt;نواجه، إذاً، أربعة من الأسئلة المتعلقة بحقيقة التصوف أو جنونه، والتي هي بالدقة التالية:&lt;br /&gt;1-هل هناك طريقان للمعرفة، قد يمكننا تسميتهما بالتتابع العقل والحدس؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل ينبغي تفضيل أحدهما على الآخر؟&lt;br /&gt;2-هل إن كل تعددية وانقسام هما تعددية وانقسام متوهمان؟&lt;br /&gt;3-هل إن الزمن شيء غير واقعي؟&lt;br /&gt;4-أي واقع ينتمي إلى الخير والشر؟&lt;br /&gt;في كل هذه الأسئلة الأربعة، يبدو لي التصوف، حينما يطور إلى نهايته، على خطأ، ومع ذلك أعتقد، بحكم حذر كاف، بأن ثمة حكمة يمكن تعلمها عن طريق الإحساس الصوفي، ولا يمكن الحصول عليها بفضل وسيلة أخرى. إذا كان ما أقوله هنا حقيقة، يمكن التوصية بالتصوف باعتباره موقفاً إزاء الحياة، وليس كعقيدة حيال العالم. فالعقيدة الميتافيزيقية هي، من وجهة نظري، خطأ متولد عن الانفعال، بالرغم من أن هذا الانفعال، بالقدر الذي يلون فيه ويشكل باقي الأفكار والمشاعر، هو الذي يُلهم أفضل ما في الإنسان. فحتى البحث الصبور والحذر عن الحقيقة الذي يقوم به العلم، والذي يكشف عن متناقضات اليقين الصوفي المباغت، يجب أن يُحاط ويتغذى من نفس روحية التبجيل التي يعيش عبرها التصوف ويتحرك .&lt;br /&gt;1-العقل والحدس(3(&lt;br /&gt;أنا لا أعرف أي شيء عن واقعية العالم الصوفي أو لا واقعيته. وليست لدي رغبة في إنكاره، ولا حتى القول أن تلك الرؤية الداخلية التي تكشف عنه ليست رؤية أصيلة. ما أنوي الدفاع عنه ـ وهنا يصبح الموقف العلمي ضرورياً- هو القول بأن تلك الرؤية، التي لا يمكن التحقق منها أو دعمها بشيء، غير كافية لضمان الحقيقة، وذلك رغم أن الجانب المهم من الحقيقة قد تمّ الإيحاء به بوسائل تلك الرؤية. من الأمور العادية أن يجري الحديث عن التعارض ما بين الغريزة والعقل؛ ففي القرن الثامن عشر كان ذلك التناقض قد سُحبَ لصالح العقل، لكن تحت تأثير جان جاك روسو والحركة الرومانسية الغريزة كانت هي منْ حظيَ بالتفضيل، أولاً من قبل أولئك الذين تمردوا على الأشكال المُزيفةِ للحكومة والفكر، وفي ما بعد أيضاً، وذلك لأن الدفاع العقلاني المحض عن التقاليد الثيولوجية قد أصبح شاقاً على جميع أولئك الذين كانوا يشعرون بأن العلم يُهدّد العقائد التي قاموا بربطها مع النظرة الروحية عن الحياة والعالم. إذ كان بيرغسون، تحت اسم "الحدس" قد جعل من الغريزة المقام الوحيد للحكم على الحقيقة الميتافيزيقية. لكن في الواقع يظل التعارض ما بين العقل والغريزة تعارضاً وهمياً. فالغريزة، أو الحدس أو الرؤية الداخلية هي أول من يقود نحو المعتقدات التي سيقوم العقل لاحقاً إمّا بتأكيدها أو بدحضها؛ غير أن التأكيد، إذا ما كان ممكناً، سيكمن، في التحليل الأخير، في التوافق مع المعتقدات الأخرى والتي هي ليست أقل غرائزيةً. ذلك لأن العقل هو بالأحرى قوة تنسيق، أو انضباط أكثر من كونه قوة إبداعية. فحتى ضمن مجال المنطق المحض، الرؤية الداخلية هي أول من يصل إلى الجديد.&lt;br /&gt;أما حينما ينشب أحياناً صراع بين العقل والغريزة فذلك حيال معتقد بعينه، يجري اتخاذه والتمسك به غرائزياً، وبصورة من الإصرار تلغي أية درجة من التماسك قد تسمح بالتخلي عنهما كليهما. فالغريزة، شأنها شأن أي ملكة إنسانية، قابلة للخطأ. غير أن أصحاب العقول الضعيفة غالباً ما لا يقرون بهذا طواعية عندما يتعلق الأمر بهم، بالرغم من أن الجميع يقرُ به عندما يتعلق بالآخرين. أما حينما تكون الغريزة معرضة بشكل أقل للوقوع في الخطأ، فذلك في مجال المواضيع العملية والتي يعينها الحكم الصحيح على البقاء: فالصداقة والعدوانية عند الآخرين، مثلاً، غالباً ما يتم الشعور فيهما بتمييز خارق للعادة، عبر أقنعة حذرة تماماً. لكن حتى في مثل تلك المواضيع يمكن أن يتولد انطباع خاطئ بحكم المجاملة أو الإطراء؛ وفي المواضيع التي أقل عملية، كتلك التي تتعامل معها الفلسفة، تكون المعتقدات الغرائزية القوية أحياناً خاطئة برمتها، مثلما يحدث لنا معرفة ذلك عن طريق عدم تماسكها مع معتقدات أخرى لا تقل عنها قوة. إن مثل هذه الاعتبارات هي ما يستوجب توسط العقل المُنسقِ، الذي يختبر معتقداتنا عبر توافقها المتبادل، ويفحص المصادر الممكنة، في الحالات المشكوك فيها، للخطأ عند هذا الجانب أو ذاك. في نقطة كهذه، لن يكون هناك تناقض مع الغريزة برمتها، ولكن فقط بأخذ جانب من تلك الغريزة ونبذ جوانب أخرى منها أكثر عمومية ولكنها ليست أقل أهمية. إن هذا الجانب الأحادي، وليس الغريزة نفسها، ما يروم العقل تصحيحه.&lt;br /&gt;يمكننا توضيح هذه المُثل المُبتذلة نوعاً ما وذلك بتطبيقها على دفاع بيرغسون عن "الحدس"والمضاد "للعقل". فهناك، كما يقول طريقتان شديدتا الاختلاف في معرفة شيء ما. الأولى تنطوي على تحركنا من حول المادة: أما الثانية فهي دخولنا فيها. تعتمد الأولى على زاوية النظر التي نضع أنفسنا فيها وعلى الرموز التي نعبر بواسطتها عن أنفسنا. أما الثانية فهي لا تعتمد على أية زاوية نظر ولا ترتكز على أي رمز. قد يمكننا القول إن المعرفة الأولى تتوقف عند ما هو نسبي؛ أما الثانية، ضمن تلك الحالات التي تكون فيها ممكنة، فتطال ما هو مطلق(4). إن الطريقة الثانية، أي الحدس، هي، مثلما يقول "تعاطف روحي يدخل المرء بفضله في المادة لكي يتلقى ما فيها من تفرد وبالتالي ما لا يمكن التعبير عنه"(5( وكمثال على ذلك، يشير إلى المعرفة-الذاتية : "ثمة واقع واحد، على الأقل، نقبض عليه جميعنا من الداخل، عبر الحدس وليس بفضل التحاليل البسيطة. إنه شخصيتنا في تدفقها من خلال الزمن-نفسنا التي تُكابد"(6). ما تبقى من فلسفة بيرغسون يكمن في نقله، عبر الوسيط الناقص للمفردات، لما تم الحصول عليه بفضل الحدس، ومن ثم الإدانة الكاملة لكل معرفة دعية تنحدر عن العلم أو الحس العام.&lt;br /&gt;يحتاج هذا الإجراء، ما دام يأخذ موقفاً حيال الصراع القائم ما بين المعتقدات الغرائزية، إلى تبرير كي يدلل على الأهمية الكاملة التي يتضمنها واحد من تلك المعتقدات، فيما يخلو منها الآخر. يسعى بيرغسون لتقديم ذلك التبرير عن طريقين، أولهما تفسيره بأن العقل هو محض ملكة عملية لضمان النجاحات البيولوجية، والثاني بتنويهه بالخدمات الملحوظة التي تقدمها الغريزة للحيوانات، وإشارته إلى خصائص عالم ، بالرغم من قدرة الحدس على إدراكها، فأن العقل يُعيقها بتأويله لها.&lt;br /&gt;عن نظرية بيرغسون القائلة بأن العقل ما هو سوى ملكة عملية محضة، تطورت عبر الصراع من أجل البقاء، وليس منبعاً لمعتقدات حقيقية، يمكننا الرد أولاً بأنه عن طريق العقل وحده نعرف شيئا ما عن صراع البقاء ذاك والسفاح البيولوجي للإنسان : إذا كان العقل هو المُضلل، فمن المتوقع أن يكون هذا التاريخ المُستنتجِ برمته غير حقيقي. من الناحية الثانية، إذا ما اتفقنا معه في تفكيره بأن التطور قد حصل كما يعتقد دارون، حينئذ لا يكون العقل وحده، بل جميع ملكاتنا هي التي تطورت تحت الضغط العملي للمنفعة. ذلك أن النظرة إلى الحدس ستكون على أفضل ما يكون، عندما يكون نافعاً مباشرة بالنسبة لمميزات الأفراد الآخرين واستعداداتهم على سبيل المثال. يبدو أن بيرغسون يفكر بأن تلك القدرة على المعرفة لا تفسر بالصراع من أجل الوجود، ولكنها، على سبيل المثال، القدرة على الرياضيات المحضة. ومع ذلك، من المحتمل أن يدفع الفرد المتوحش حياته ثمناً لخيبته من الصداقة؛ فيما لا يُحكم على الأفراد، حتى في المجتمعات الأكثر تحضراً، بالموت بسبب عدم كفاءتهم الرياضية. إن أكثر ما يُلفت الانتباه في أمثلته عن الحدس عند الحيوانات أنها ذات قيمة مباشرة في مسألة البقاء. في الحقيقة إن العقل والحدس قد تطورا، بطبيعة الحال، لأنهما نافعان، وكذلك لأنهما، إذا ما تكلمنا بشكل عام، نافعان عندما يقدمان الحقيقة ويصبحان ضارين حينما يقدمنا لنا ما هو مزيف. فالعقل، عند الفرد المتحضر، كالقدرة الفنية، نادراً ما تطور أبعد من النقطة التي يكون فيها نافعاً للفرد؛ ومن الناحية الأخرى، يبدو أن الحدس برمته آيل نحو الاضمحلال كلما تعاظمت الحضارة. وكقاعدة عامة، يكون أقوى عند الأطفال مما هو عند البالغين، وعند الشخص المحروم من التعليم عنه عند المتعلم. كذلك من المحتمل أن تكون قوته عند الكلاب تتجاوز ما يمكننا العثور عليه عند أي كائن بشري. أما أولئك الذين يرون في هذه الحقائق ما يحث على الحدس، فما عليهم سوى العودة بأنفسهم للعدو الوحشي في الغابات، كي يلقوا حتفهم في الأدغال أو يعيشوا وسط الورد البري والبرسيم.&lt;br /&gt;بعد ذلك، دعونا نفحص قضية إذا ما كان الحدس يتمتع بأي من تلك الخصائص المعصومة التي يسندها له بيرغسون. إن خير مثال على ذلك، من وجهة نظره، هو تعرفنا على أنفسنا؛ بالرغم من أن المعرفة-الذاتية مشهورة بأنها نادرة وصعبة. فغالبية الأفراد، على سبيل المثال، ينطوون في طبيعتهم على الوضاعة، والغرور والحسد بلا وعي منهم، مع أن أفضل أصدقائهم يمكنهم رؤية ذلك دون أية صعوبة. صحيح أن الحدس يتمتع بالإقناع الذي يعوز العقل : عندما يكون العقل حاضراً، يكون من المستحيل تقريباً الشك في حقيقته. لكن إذا ما ظهر، عند الفحص، بأن اليقين الذاتي للحدس قابل هو الآخر كالعقل للسقوط في الخطأ، حينئذ سيغدو ذلك اليقين مجرد نقيصة، ويصبح دافعاً أكبر على الخيبة منه. لكن إذا ما وضعنا مسألة المعرفة الذاتية جانباً، سنلتقي بواحد من أكثر الأمثلة الشهيرة عن الحدس والقائل بأن الأفراد العارفين يعتقدون بأنهم يتملكون أولئك الذين يحبونهم : يبدو أن الجدار الفاصل ما بين شخوص مختلفين يصبح شفافاً، فالأفراد يظنون أنهم يرون ما في روح الآخر كما يرون في أرواحهم هم. ومع ذلك، دائماً ما تكون الخيبة، في حالات كهذه، هي ما يتم تجريبه بنجاح؛ وحتى في الحالات التي لا تكون فيها الخيبة متعمدة، تبرهن التجربة تدريجياً، كقاعدة، بأن تلك الرؤية الداخلية المزعومة ما هي إلا وهم، وبأن مناهج العقل الأكثر بطئا، المتلمسة لطريقها، هي أكثر مصداقية في نهاية الشوط.&lt;br /&gt;يؤكد بيرغسون أن العقل لا يمكن أن يتعامل إلا مع الأشياء التي تبدو شبيهة بتلك التي تعامل معها في الماضي، فيما يتمتع الحدس بقوة إدراك التفرد والجديد اللذين ينتميان دائماً لكل ما هو نَظرٌ في لحظته. أن يكون هناك شيئاً متفرد وجديد في كل لحظة، فذلك ما هو مؤكد، كما أنه من المؤكد أيضاً نه ليس بالإمكان التعبير عن ذلك بكامله عبر مفاهيم العقل. ذلك لأن الإطلاع المباشر وحده ما يمكنه تقديم معرفة عن المتفرد والجديد. لكن إطلاعاً مباشرا من هذا القبيل مُعطى برمته عبر الإحساس، لا يتطلب بالتالي، بالقدر الذي أرى فيه الأشياء، أية ملكة خاصة من الحدس بغية إدراكه. إذ ليس العقل ولا الحدس من يقدم لنا معطًى جديدا، بل الإحساس، لكن إذا كان هناك من معطى جديد بأية طريقة ملحوظة، سيكون العقل أكثر قدرة على التعامل معه من الحدس. فأنثى البط تمتلك حدساً حيال فراخها إلى حد تبدو فيه كأنها في داخل كل واحد منها، ولا تمتلك معرفة تحليلية عنها وحسب؛ لكن عندما تجلب تلك الفراخ قرب المياه، حينئذ يكشف الحدس عن نفسه باعتباره وهماً، وتترك الأم بلا عون على الساحل. في الحقيقة، لا يشكل الحدس سوى جانب من تطور الغريزة وله فاعلية كبيرة، كأية غريزة أخرى، فيما يتعلق بعرف المحيط الذي صاغ عادات ذلك الحيوان، لكنه سيغدو عاجزاً تماماً ما إن يتغير هذا المحيط بطريقة تتطلب نمطا غير مألوف من الأفعال.&lt;br /&gt;إن الفهم النظري للعالم، وهو هدف الفلسفة، ليس له من أهمية كبيرة بالنسبة للحيوانات، ولا للفرد الهمجي، ولا حتى لغالبية الأفراد المتحضرين. لهذا من الصعب الافتراض بأن تجد نظريات الغريزة أو الحدس السريعة، والجاهزة أرضية صالحة لتطبيقها ضمن ذلك الحقل. إن الأنواع القديمة من الممارسة التي تجعلنا على قرب أكبر من الأجيال البعيدة عنا من الحيوانات ومن أسلافنا نصف الآدميين هي ما يضع الحدس في مكانه الصحيح. ففي حالات المحافظة على الذات أو الحب، سينهج الحدس أحياناً (ولكن ليس دائماً) بسرعة ودقة تدهشان العقل النقدي. بيد أن الفلسفة ليست واحدة من طرق البحث التي تكشف لنا عن أواصرنا مع الماضي : فهي طريقة بحث مرهفة وحضارية للغاية وتتطلب، لتكليل نجاحاتها، نوعاً من التحرر من الحياة الغريزية وحتى الترفع، أحياناً، عن دنيوية الآمال والمخاوف. لذا لا يمكن أن تكون الفلسفة الموقع الذي يجد فيه الحدس مكانه الأنسب. بالمقابل، ما دامت مواضيع الفلسفة الحقيقية، والاعتياد الفكري اللازم لفهمها، غريبة، غير مألوفة، وبعيدة، قإن العقل يدلل هنا، أكثر من أي مكان آخر، على تفوقه على الحدس، وبأن تلك المعتقدات السريعة وغير المُحللةِ تحظى على الأقل باهتمام من الجانب غير النقدي.&lt;br /&gt;بدفاعنا عن الحصر والتوازن العلميين، ضد التأكيد الذاتي الممنوح لمصداقية الحدس، لم نقم بشيء، في نطاق المعرفة، سوى الدفاع عن سعة التأمل، واللانفعية الشخصية،وكذلك التحرر من الانشغالات العملية ،التي لا تحصى، التي تتضمنها جميع الأديان الكبرى في العالم. ومع ذلك، قد يدخل استنتاجنا في نزاع مع المعتقدات المكشوفة للعديد من المتصوفة، لكنه، في جوهره، لا يشكل نقيضاً للروح التي ألهمت تلك المعتقدات، بل يُطبق بالأحرى حصيلة تلك الروح ذاتها ضمن نطاق الفكر.&lt;br /&gt;2- الوحدة والتعددية&lt;br /&gt;إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بيرمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة.&lt;br /&gt;إن المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي.&lt;br /&gt;يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة اندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها. فالمتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم ،ربما،الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم "حقيقي" يقع فيما وراء الحواس.&lt;br /&gt;بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي،فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد انبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم، وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من "سانتيانا"، "خبثاء" إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان.&lt;br /&gt;يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج.&lt;br /&gt;فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين.&lt;br /&gt;3- الزمن&lt;br /&gt;تشكل لا واقعية الزمن عقيدة مركزية في العديد من النظم الميتافيزيقية، وهي غالباً ما ترتكز لفظياً، كما هو الأمر منذ البدء عند بيرمنيدس، على حجج منطقية، لكنها منحدرة أصلاً، أو في مطلق الأحوال عند مؤسسي الأنظمة الجديدة، عن اليقين المُتولد في لحظة الرؤية الصوفية الداخلية. فكما يقول الشاعر الإيراني الصوفي: "الماضي والمستقبل يحجبان الله عن رؤيتنالتحرقهما كلاهما في النار! إلى متىستظل موزعاً ما بين هذه الجزئيات كالقصبة"&lt;br /&gt;(7(&lt;br /&gt;فالإيمان بأن ما هو واقعي حقاً يجب أن يظل ثابتاً هو إيمان شائع جداً : فعنه قد تولدت الفكرةالميتافيزيقية عن الجوهر، وما زال يحظى، حتى اليوم، بالقبول الكامل غير المشروع ضمن تلكالنظريات العلمية القائلة مثلاً بثبات الطاقة أو الكتل.&lt;br /&gt; يصعب التمييز ما بين هو صحيح أو خطأ في هذا المنظور. لكني أعتقد أن حجج النزاع التي تصرح بلا واقعية الزمن، وكذلك التي تصف عالم الحواس باعتباره وهماً، يجب التعامل معها على أنها حجج باطلة. ومع ذلك، ثمة معنى ما –يسهل الإحساس به أكثر من إثباته- وهو القول بأن الزمن لا يشكل سوى خصائص ثانوية وسطحية للواقع. إذ ينبغي علينا معرفة الماضي والمستقبل كمعرفتنا للحاضر، وكذلك فإن التحرر من عبودية الزمن شيء جوهري بالنسبة للفكر الفلسفي. فأهمية الزمن عملية أكثر من كونها نظرية، وهي تتصل بالأحرى بعلاقة رغباتنا أكثر من اتصالها بالحقيقة. فالصورة الحقيقية للعالم، من وجهة نظري، يتم الحصول عليها عبر أخذ نظرة عن الأشياء التي تدخل في مجرى الزمن من عالم أبدي خارجي، أكثر مما تتأتى من النظر للزمن باعتباره طاغية يفترس كل الأشياء. فكما في الفكر والإحساس وحتى عندما نقر بواقعية الزمن، يظل إدراك لا أهمية الزمن الباب المؤدي إلى الحكمة.&lt;br /&gt;إذ يمكن رؤية هذه الحالة عندما نسأل أنفسنا لمَ تكون مشاعرنا حيال الماضي مختلفة تماماً عن مشاعرنا إزاء المستقبل. إن سبب هذا الفارق عملي برمته: تمس آمالنا المستقبل ولكن ليس الماضي، فالمستقبل يبقى إلى حد ما تحت سيطرتنا، فيما ثَبتَ الماضي إلى الأبد. غير أن كل مستقبل سيصير يوما ما ماضياً : إذا كنا نرى الماضي حقاً الآن، فلا بد لنا من رؤيته، عندما كان مستقبلاً، كما نراه في الوقت الحاضر، وكذلك يجب علينا رؤية ما هو مستقبلي الآن بذات الطريقة التي تحول فيها إلى ماضي. لذا فإن نوعية الفارق الذي نشعر به بين الماضي والمستقبل ليس بالفارق الداخلي، ولكنه فارق في علاقته بنا وحسب: سيكف عن الوجود بفضل التأمل النزيه. والتأمل النزيه، في المجال الروحي، هو نفس الفضيلة اللامصلحية التي تظهر، في المجال العملي، باعتبارها فضيلة عادلة وغير أنانية. فكل شخص يرغب في رؤية العالم حقاً، عندما يقف بفضل الفكر فوق طغيان الرغبات العملية، لا بد له من التغلب على فارق موقفه ما بين الماضي والمستقبل، وأن ينظر إلى مجرى الزمن برمته من خلال رؤية مُتفهمةِ.&lt;br /&gt;إن نوع الطريقة التي لا ينبغي على الزمن الدخول فيها ضمن فكرنا الفلسفي النظري، يمكن توضيحها، كما أعتقد، عبر فلسفة أصبحت متلازمة مع فكرة النمو التي أعطى نيتشة، البرغماتية وبيرغسون صورة نموذجية عنها. فالفلسفة هذه ترى في التقدم، القائم على أسس التطور الذي صعد من الأشكال الواطئة للحياة وحتى الإنسان، القانون الجذري للكون، وبهذا فهي تقرُ بالفارق ما بين المُبكر والمتأخر في نفس قلعة نظرتها التأملية. مع ماضي العالم التاريخي ومستقبله، مثلما يتم افتراضه، لا رغبة عندي بالدخول في معركة. لكنني أعتقد أن ما يوجبه الفهم الحقيقي للكون، ضمن ثمالة النجاحات السريعة، قد ضاعَ. إذ ينبغي أخذَ شيء من العالم الإغريقي، وكذلك من الشرق المُتخلي وتركيبهما مع اليقين الذاتي المُتعجل للغرب، قبل أن يتمكن ذلك الفهم من البزوغ من حماس الفتوة ويصب في الحكمة البالغة للجنس البشري. فبالرغم من نداءاتها للعلم، أعتقد أن الفلسفة العلمية الحقيقية هي شيء أكثر ديناميكية ورفعة، وتتطلب تربية صارمة من أجل ممارستها الموفقة.&lt;br /&gt;لقد أقنع "أصل الأنواع" لدارون العالم بأن الفارق ما بين الأجناس المختلفة للحيوانات والنباتات ليس فارقاً نهائياً وثابتاً كما يبدو عليه. فنظرية الأنماط، التي جعلت التصنيف أكثر سهولة وتحديداً، والتي كانت مُدخرةً ضمن التقاليد الأرسطية، ومحمية باسم ضرورتها المُفترضة بالنسبة للعقيدة الارثوذكسية، قد تم كنسها فجأة وإلى الأبد من العالم البيولوجي. فالفارق ما بين الإنسان وأحقر الحيوانات، والذي يبدو ضخماً ليرضي غرورنا الإنساني، قد كُشف عنه بأنه إنجاز تدريجي، يتضمن العديد من الكائنات الوسطية التي لا يمكن وضعها داخل العائلة الإنسانية ولا خارجها. إذ بينَ "لابلاس" سلفاً بأن الشمس والكواكب يمكن أن تكون قد انحدرت عن عالم ضبابي لا متميز نوعاً ما. وهكذا اهتزت تلك العلامات القديمة الثابتة، وكذلك أزيلت الفواصل القطعية. لقد فقدت الأشياء والأجناس حدودها، وليس بمقدور أحد القول من أين قد بدأت وأين انتهت. لكن إذا كان الغرور الإنساني قد ترنح للحظة، بحكم صلة القرابة بينه وبين القرود، فإنه سرعان ما عثر على الطريقة التي يؤكد فيها نفسه من جديد، وقد كانت تلك الطريقة هي "فلسفة" النمو. فالمسار الذي يقود من الأميبة إلى الإنسان بدا بالنسبة للفلاسفة بمثابة تقدم ملحوظ –مع أن أحداً لم يسأل الأميبة عن رأيها في ذلك. وهكذا فإن حلقة التحولات التي كشفها العلم باعتبارها ما يشكل ربما تاريخ الماضي قد جرى الترحيب بها كونها قانوناً للتطور باتجاه الخير في الكون –كنمو أو انتشار لفكرة تجسدت ببطء ضمن الحاضر. لكن إذا كانت نظرة كهذه، والتي يمكنها أرضاء "سبنسر" أو ما يمكننا تسميتهم بالهيغليين الإنمائيين، لا يمكن قبولها كفكرة صحيحة من قبل أولئك الذين ينشدون التغيير من كل قلوبهم. فهذه المثالية التي لا يكف العالم عن الاقتراب منها ما هي، بالنسبة لهذه العقول إلا مثالية ميتة وجامدة لا تستطيع أن تلهمنا بشيء. إذ ليس الأمل وحده ما ينبغي أن يتغير، بل المثالي أيضاً عليه أن يتطور وفقاً لمجرى النمو : حينئذ لن يكون ثمة من هدف ثابت، بل صياغة متواصلة للحاجات الجديدة يقوم بها الدافع الذي هو الحياة والذي يمنح وحده وحدة لذلك المسار.&lt;br /&gt;الحياة إذاً، في هذه الفلسفة، تدفق دائم، تغدو فيه جميع الانقسامات مًصطنعة وغير واقعية.&lt;br /&gt;فالأشياء المنفصلة، البدايات والنهايات ما هي سوى حكايات مريحة : ليس هناك غير التحول الناعم وغير المُتصدع. إذ يمكن أن تُحسب معتقدات اليوم حقيقة بالنسبة لليوم، إذا ما حملتنا على طول ذلك المجرى؛ لكن غداً ستكون مزيفة، وبالتالي يجب أن تحل في مكانها معتقدات جديدة لملاقاة موقف جديد. يكمن كل تفكيرنا في الحكايات المريحة، والمتجمدات المُتخيلة للمجرى : يسيل الواقع بالرغم من كل الحكايات، ومع أنه يمكن أن يعاش، لا يمكن بالرغم من ذلك إدراكه عبر الفكر. لقد أنزلق اليقين، بمعنى ما ومن دون حكم واضح، في القول بأن المستقبل، وبالرغم من عدم قدرتنا على توقعه سلفاً، سيكون أفضل من الماضي والحاضر: يشبه القارئ الطفل الذي يتوقع الحصول على قطعة حلوى لأن أحدهم قال له لتفتح فمك وتغمض عينيك. فالمنطق، والرياضيات، والفيزياء ستختفي من هذه الفلسفة، لأنها أشياء "ثابتة" تماماً؛ لأن ما هو واقعي ليس الدافع والحركة باتجاه هدف يتراجع، كقوس قزح، بالقدر الذي نقترب نحن منه، ومن ثم يجعل كل مكان يختلف، ما إن يصل إليه، عما كان يبدو عليه من مسافة.&lt;br /&gt;لا أريد الدخول هنا في فحص تقنوي لتلك الفلسفة. لكني أرغب في التنويه بأن كل الدوافع والغايات التي تحركها هي دوافع وغايات عملية، والمشاكل التي تتعامل معها هي من نوع خاص،لا يمكنني النظر إليها باعتبارها تمس أيا من القضايا التي تبني، من وجهة نظري، فلسفة أصيلة.&lt;br /&gt;إن الاهتمام الأساسي لنظرية النمو يتعلق بمسألة المصير الإنساني، أو على الأقل بمصير الحياة. فهي تولي عناية أكبر للأخلاق والسعادة منها للمعرفة بحد ذاتها. كذلك يمكن قول ذات الشيء عن الفلسفات الأخرى، فرغبة الحصول على هذا النوع من المعرفة الذي يمكن أن تقدمه الفلسفة نادر تماماً. لكن إذا كان على الفلسفة بلوغ الحقيقة، فلا بد أولاً وقبل أي شيء آخر أن يتمتع الفلاسفة بذلك الفضول الثقافي اللانفعي الذي يمتلكه رجل العلم. ذلك لأن المعرفة المُرتبطة بالمستقبل –والتي هي ذلك النمط من المعرفة الذي يجب البحث عنه إذا ما أراد المرء معرفة شيء عن المستقبل- ليست ممكنة إلا في الحدود الضيقة. فمن الصعب القول إلى أي حد يجب أن تتوسع فيه الحدود مع تقدم العلم. لكنه من الواضح أن أية فرضية عن المستقبل تنتمي بحكم موضوعها إلى علم بعينه، ولا بد أيضاً من ضمانها، إذا ما اقتضى الأمر، بفضل مناهج ذلك العلم. ذلك لأن الفلسفة لا تشكل جزءا من نتائج العلوم الأخرى: ينبغي عليها أن تكون دراسة أصيلة، تمتلك مجالها الخاص وتتجه نحو نتائج مختلفة لا يمكن للعلوم الأخرى قبولها ولا رفضها.&lt;br /&gt;بارتكاز نظرية النمو على فكرة التقدم، والتي هي التحول من المنحط نحو الأفضل، قد خولت لفكرة الزمن أن تكون، كما يبدو لي، طاغية متسلطة عليها، بدلاً من أن تكون خادماً لها. وبالتالي فقد فقدت ذلك التأمل اللامتحيز والذي هو ينبوع لأفضل ما هو ممكن في الفكر الفلسفي كما في الإحساس. فمثلما لاحظنا ذلك سابقاً، كان الميتافيزيقيون قد أنكروا جملة وتفصيلاً واقعية الزمن.&lt;br /&gt;أنا لا أرغب القيام في بذلك؛ لأن كل ما أتطلع إليه هو المسك بذلك المنظور الذي ألهم هذا النكران، والموقف الذي ينظر، في مجال الفكر، إلى الماضي باعتباره يتمتع بذات الواقعية التي يتمتع بها الحاضر، وله نفس أهمية المستقبل. يقول سبينوزا(8) : "بالقدر الذي يدرك فيه الذهن شيئاً وفقاً لأوامر العقل، فإنه سوف يتأثر بذات القدر سواء كانت الفكرة هي فكرة مستقبل،أو حاضر، أو ماضي ذلك الشيء". إن "الإدراك وفقاً لأوامر العقل" هو ما أجده غائباً عن تلك الفلسفة المرتكزة على النمو.&lt;br /&gt;4- الخير والشر&lt;br /&gt;يدعي التصوف أن الشر شيء وهمي، ويقول أحياناً نفس الشيء عن الخير، لكنه في الغالب يؤمن بأن كل واقع هو خير. يمكننا العثور على النظرتين معا عند هرقليطس : "الخير والشر واحد"، يقول، لكنه يقول أيضاً : "جميع الأشياء عند الرب جميلة وخيرة، لكن الناس يظنون أن بعضها خطأ والبعض الآخر صحيح". إن ذات النظرة المزدوجة يمكننا العثور عليها عند سبينوزا أيضاً، لكنه يستخدم مفردة "كمال" عندما ينوي الحديث عن الخير الذي هو ليس بالخير الإنساني وحسب.&lt;br /&gt;"عندما أتحدث عن الواقع أو الكمال، فأنا أعني ذات الشيء"كما يقول(9)؛ لكننا نجد في مكان آخر التحديد التالي : "أعني بالخير كل ما نعرف يقيناً أنه صالح لنا"(10). وبهذا ينتمي الكمال للواقع بطبيعته الخاصة، أما الخير فهو يتعلق بنا وبحاجاتنا، ومن ثم فهو يتلاشى في النظرة غير المتحيزة. تشكل فوارق كهذه، في اعتقادي، ضرورة لفهم النظرة الإتيكية)الأخلاقية) للتصوف : هناك نوع دنيوي منحط لفهم الخير والشر، يشطر العالم الظاهر إلى أجزاء متناحرة؛ لكن هناك أيضاً نوع آخر من التصوف السامي عن الخير الذي ينتمي إلى الواقع والذي يتعارض مع أي نوع من الشر المرافق له.&lt;br /&gt;من الصعب تقديم محصلة منطقية يُعتمد عليها هذا الموقف، ما لم يتم فهم الخير والشر باعتبارهما ذاتيين، أي أن الخير هو ما نمتلك حياله نوعاً من العاطفة، والشر هو ما نمتلك إزاءه عاطفة أخرى. ففي حياتنا العملية، عندما نكون مطالبين بالاختيار، والتفضيل ما بين هذا الفعل الممكن وذاك، يكون من الواجب التمييز ما بين الخير والشر، أو على الأقل ما بين الأفضل والأرذل. بيد أن هذا التمييز، شأنه شأن أي شيء يزعم القيام بفعل، ينتمي إلى ما ينظر إليه التصوف باعتباره عالم الوهم، إن لم يكن لسبب آخر غير ارتباطه الجوهري بالزمن. أما في حياتنا التأملية، عندما لا ننشد القيام بفعل، يمكن للمرء أن يكون غير متحيز، وبالتالي يتغلب على هذه الثنائية الإتيكية التي تتطلبها الأفعال. فبالقدر الذي نبقى فيه غير متحيزين وحسب، قد نكتفي بالقول إن كلا الخير والشر على صعيد الفعل موهومان. لكن إذا كنا نجد العالم برمته، مثلما يجب علينا أن نفعل إذا ما أردنا الاحتفاظ بالرؤية الصوفية، جديرا بالحب والتأليه، فعلينا أن نرى بأن "الأرض، وكل رؤية عامة... متزينة بالنور السماوي"،وذلك ما سيجعلنا نقول إن هناك خيرا أسمى من خير الفعل، وإن هذا الخير السامي ينتمي إلى العالم بكامله كما هو في واقعه. بهذه الطريقة يكون الموقف المزدوج والتأرجح الظاهري للتصوف قد تم شرحهما وتبريرهما.&lt;br /&gt;إن لإمكانية حب كوني كهذا والفرح بكل ما هو موجود أهمية كبرى في السلوك والسعادة في الحياة، وهي تمنح قيمة لا يمكن تثمينها للانفعال الصوفي، بمعزل عن أي عقائد تُبنى عليه. لكن إذا كنا نرفض أن نُقاد نحو معتقدات مزيفة، يكون من الضروري أن نفهم بالدقة ما الذي يكشف عنه الانفعال الصوفي. إنه يكشف عن إمكانية الطبيعة الإنسانية – إمكانية حياة أكثر نبلاً، وسعادة وحرية مما يمكن لشيء آخر تحقيقه. لكنه لا يكشف أي شيء مما هو لا إنساني، أو عن طبيعة الكون عامة. فالجيد والرديء، وحتى ذلك الخير السامي الذي يجده التصوف في كل مكان، ما هو سوى انعكاسات لانفعالاتنا نحن على أشياء أخرى، ولا تشكل جزءًا من مادة الأشياء كما هي عليه. وبالتالي فإن التأمل اللامتحيز، المُتحرر من أي انشغال بالنفس، سوف لن يحكم على الأشياء من خلال الجيد والرديء، حتى وإن كان من السهولة تشكيلهما بعاطفة الحب الكونية تلك والتي تجعل الصوفي يقول إن العالم برمته شيء جيد.&lt;br /&gt;إن فلسفة النمو، المرتكزة على فكرة التقدم، مربوطة بهذه الثنائية الإتيكية عن الأفضل والأرذل، ومن ثم فهي منغلقة لا حيال ذلك النوع من النظر الذي يبعد عن رؤيته كلا من الخير والشر وحسب، بل وأيضاً عن المعتقد الصوفي القائل بطيبة كل الأشياء. بهذه الطريقة يصبح التمييز ما بين الخير والشر في هذه الفلسفة، كما هو الأمر بالنسبة للزمن، طاغية، ويُقحم على الفكر تلك الانتقائية القلقة حيال الفعل. فالخير والشر، وكذلك الزمن، لم تكن من المقولات العامة والجذرية في مجال الفكر، لكنها أصبحت فيما بعد من المقولات التخصصية جداً ضمن التراتبية الروحية.&lt;br /&gt;لكن لكي يتم تأويل التصوف، كما لاحظنا ذلك، بطريقة تجعله يتفق مع النظرة القائلة بأن الخير والشر لا يشكلان مقولات عقلية جذرية، يجب السماح لنا بالقول بأننا لم نعد هنا على اتفاق لفظي مع غالبية الفلاسفة العظام وأساتذة الماضي المتدينين. وعلى أية حال، أعتقد بأن إبعاد الاعتبارات الإتيكية عن الفلسفة شيء ضروري ويشكل -وإن بدا هذا متناقضاً- تقدماً إتيكياً. ينبغي تحديد هذين المضمونين باختصار.&lt;br /&gt;إن الأمل في إشباع أكثر رغباتنا الإنسانية –أمل البرهنة بأن العالم يتطلب هذه الخصوصية الإتيكية المرغوب فيها أو تلك- لا تستطيع أي فلسفة علمية، بالقدر الذي أرى فيه الأشياء، القيام بشيء حياله بغية إشباعه. فالفارق ما بين عالم جيد وآخر سيء هو فارق في خصوصيات معينة لأشياء بعينها موجودة في واحد من العالمين : فهو ليس فارقاً تجريدياً كافياً لكي يدخل ضمن نطاق الفلسفة. فالحب والكراهية، مثلاً، هما من المتعارضات الإتيكية، لكنهما لا يشكلان في الفلسفة سوى مواقف متماثلة جداً فيما بينها حيال المواضيع. إن الشكل والبنية العامان لهذين الموقفين إزاء المواضيع والتي هي بمثابة ظواهر ذهنية تطرح نفسها باعتبارها مشكلة على الفلسفة، غير أن الفارق ما بين الحب والكراهية ليس فارقاً في الشكل أو البنية، وبالتالي فهو يعود بالأحرى إلى علم خاص من البسيكولوجيا وليس إلى الفلسفة. لهذا ينبغي أن تبقى الاهتمامات الإتيكية التي غالباً ما ألهمت الفلاسفة في الخلفية، لكن لا يجب على أي منها أن يقحم في التفاصيل أو يتم توقعه في النتائج الخاصة التي يجري البحث عنها.&lt;br /&gt;إذا ما بدت هذه النظرة مُخيبة من الوهلة الأولى، فعلينا تذكير أنفسنا بأن تحولا كهذا قد تم التعامل معه باعتباره ضرورة ضمن بقية العلوم الأخرى. إذ لا أحد يطالب العالم الفيزيائي والكيميائي بالبرهنة على الأهمية الإتيكية للأيونات والذرات التي يعملون عليها، كذلك لا أحد يتوقع من البيولوجي تقديم برهان على نفعية النباتات أو الحيوانات التي يُشرحها. أما في الأزمنة ما قبل-العلمية فلم يكن الأمر كذلك. فعلم الفلك، مثلاً، كان يُدرس لأن الناس كانوا يؤمنون بالتنجيم : كانوا يفكرون بأن لحركات الكواكب أهمية كبرى ومباشرة على حياة الكائنات الإنسانية. لذا يمكن الافتراض بأنه عندما تقهقر الإيمان وغاب الاهتمام بالتنجيم، كان العديد من أولئك الذين وجدوا بأن لعلم الفلك أهمية استثنائية قد قرروا بأنه ليس للتنجيم أي تأثير في الحياة الإنسانية لكي يستحق الدراسة. لقد كان للفيزيائيين، كما يظهر ذلك في محاورة أفلاطون "تيموس"، أفكار إتيكية : الجزء الجوهري من غرضها كان إظهار الأرض باعتبارها شيئا جديرا بالإعجاب.&lt;br /&gt;على العكس من هذا، لا يشغل الفيزيائي المعاصر نفسه، كفيزيائي، بالخواص الإتيكية للأرض، حتى وإن لم تكن لديه رغبة في إنكار أن الأرض شيء يثير الإعجاب : ما يعنيه هو العثور على الوقائع وحسب، وليس إذا ما كانت جيدة أو سيئة. أما في البسيكولوجيا، فإن الموقف العلمي هو أحدث وأصعب منه في العلوم الفيزيائية : إذ من الطبيعي التعامل مع الطبيعة الإنسانية كونها جيدة أو سيئة، وأن يتم الافتراض بأن ذلك الفارق ما بين الجيد والرديء، الشديد الأهمية على الصعيد العملي، لا بد وأن يكون كذلك على المستوى النظري. ففي القرن التاسع عشر بدأت ولادة بسيكولوجيا محايدة من الناحية الإتيكية؛ وهنا أيضاً كان ذلك الحياد الإتيكي ضرورياً لنجاح العلم. أما في الفلسفة، وإلى اليوم، فالبحث مازال نادراً عن تلك الإتيكية المحايدة ولم تتحقق قط. فالأفراد قد تذكروا أمانيهم، ومن ثم حكموا على الفلسفات من خلال علاقتها بتلك الأماني.&lt;br /&gt;فالإيمان، المُنحدر عن بعض العلوم الخاصة، بأن أفكار الخير والشر يجب أن تقدم مفتاحاً لفهم العالم قد وجد ملجئا له في الفلسفة. لكن حتى من هذا الملجأ الأخير ينبغي إبعاد ذلك الإيمان، إذا ما أرادت الفلسفة عدم الإبقاء على نفسها كطقم من الأحلام المسلية. من المعروف بأن السعادة لم تتحقق بصورتها الأفضل على يد أولئك الذين يبحثون عنها مباشرة؛ وقد يكون ذلك صحيحاً أيضاً فيما يتعلق بالخير. وعلى أية حال، قد يحقق أولئك الذين ينسون، على صعيد الفكر، الخير والشر ولا يبحثون سوى عن معرفة الوقائع الخير أكثر من هؤلاء الذين ينظرون إلى العالم عبر الوسيط الملتوي لرغباتهم الخاصة.&lt;br /&gt;وهكذا نعود ثانية إلى ما يمكن أن يكون تناقضنا الظاهري، ألا وهو أن الفلسفة التي لا تسعى لفرض معتقداتها الخاصة عن الخير والشر على العالم لا تصل إلى الحقيقة وحسب، بل وأيضاً تحقق حصيلة نظر إتيكية عالية أكبر من تلك الفلسفة التي لا تكف، كالإنمائية وغيرها من النظم الكلاسيكية، عن تثمين الكون والساعية لتجسيده عبر مثاليات الحاضر. في الدين، وكذلك في كل رؤية جدية عميقة عن العالم والمصير الإنساني، ثمة عنصر خضوع، وإدراك لحدود القوة الإنسانية، والغائبة نوعاً ما عن العالم المعاصر، بنجاحاته المادية السريعة وبإيمانه المغرور بالإمكانيات اللانهائية للتقدم. "ذلك الذي يحب حياته سيكون عليه فقدانها"؛ وهناك على الأقل خطر في الثقة المفرطة في حب الحياة، فالحياة نفسها لا بد أن تفقد شيئاً مما يمنحها قيمتها العالية. إن الخضوع الذي يغرزه الدين في الفعل هو في الجوهر نفس الروح التي يعلمها العلم عن طريق التفكير؛ وبأن الحياد الإتيكي الذي أنجز بفضله انتصاراته هو حصيلة لذلك الخضوع.&lt;br /&gt;إن الخير الذي يعنينا تذكره هو ذلك الخير الذي يقع ضمن قوتنا على الإبداع –الخير المرتبط بحياتنا وبموقفنا من العالم. أما الإصرار على الإيمان في إنجاز خارجي للخير فما هو إلا شكل من أشكال التوكيد-الذاتي الذي يمكنه، عندما يعجز عن ضمان الخير الخارجي الذي يرغب فيه، إفساد الخير الداخلي الذي نقدر عليه، وكذلك يحطم الاحترام حيال ما يشكل في آن ما له قيمةفي التواضع وما هو مثمر في الطبع العلمي.&lt;br /&gt;لا يمكن للكائنات الإنسانية، بطبيعة الحال، تجاوز الطبيعة البشرية؛ إذ لا بد أن يبقى شيء ذاتي في كل أفكارنا، عندما تكون المصلحة هي وحدها ما يحدّد توجه انتباهنا. غير أن الفلسفة العلمية تقترب أكثر من الموضوعية من أية متابعة إنسانية أخرى، وتمنحنا، بالتالي، العلاقة ،الأكثر ديمومة وقرباً من العالم الخارجي ،الممكنة التحقيق. بالنسبة لذهنية بدائية، ليس هناك سوى الصداقة والعداوة؛ بيد أن التجربة قد كشفت لنا أن الصداقة والعداوة لا يشكلان مفهومين ينبغي فهم العالم بواسطتهما. وهكذا فإن الفلسفة العلمية تمثل، وإن كانت ما تزال حديثة الولادة، شكلا من التفكير يتفوق على أي إيمان أو مخيلة قبل-علموية وتجلب معها، كأي مقاربة للتجاوز الذاتي، مكافأة غنية وذلك بتوسيعها وتعريضها لمجال النظر والفهم. أما النظرية الإنمائية، وبالرغم من مناشدتها لبعض الوقائع العلمية الخاصة، فإنها أخفقت في أن تكون فلسفية علمية حقيقية وذلك بحكم عبوديتها للزمن، وبسبب من اهتماماتها الإتيكية وتركز مصلحتها على همومنا الدنيوية والمصير. لكن الفلسفة العلمية الحقيقية ستكون أكثر تواضعاً، أكثر تدريجية وحرارة، وتقدم تألقاً أضعف عن السراب الخارجي الذي يُدغدغ الآمال المُزيفة، لكنها أكثر لا مبالاة بالمصير، وأكثر قدرة على قبول العالم من ذلك الفرض الطغياني لمطالباتنا الإنسانية العابرة.&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-6851024050657510871?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/6851024050657510871/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_8818.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6851024050657510871'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/6851024050657510871'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_8818.html' title='التـصــوف و المـنـطــق ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-7868231235692402659</id><published>2010-04-11T01:30:00.002+03:00</published><updated>2010-04-11T01:34:27.065+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='روائع المقالات'/><title type='text'>مــقــدمــه ...</title><content type='html'>&lt;div align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هذا القسم سيكون مخصص لمختارات رائعه من أجمل المقالات التي كتبت حول افلسفه و الفكر و غيرها و التي كتبها فلاسفه و مفكرين و مثقفين غربيين أو شرقيين  , سوف أشير للكاتب في حالة معرفتي به , و سوف أجعل صفة مجهول كإشاره لجهلي بالكاتب و كل هذا من اجل حماية الحقوق الفكريه للكاتب  , مع الإعتذار الشديد لكل من أنقل له مقال و لم أستأذن منه ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-7868231235692402659?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/7868231235692402659/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_11.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/7868231235692402659'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/7868231235692402659'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/blog-post_11.html' title='مــقــدمــه ...'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-5811334973504986894</id><published>2010-04-10T15:16:00.001+03:00</published><updated>2010-04-10T15:19:18.756+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='شذرات'/><title type='text'>شــــذرات 30</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;br /&gt; إبداع أوغسطينّي  ..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;ينبغّي أن نفهم لكي نؤمن , هكذا قال القديس أوغسطين , فلو كل إنسان فهم لآمن بالله , الفهم هُنا ليس معرفي فقط , بل الفهم أخلاقي أيضاً , لأني مؤمن بأن الله أخلاقياً يستدل على وجوده اكثر من الإستدلال على وجوده بالجانب العقلي , لأن الناس و كثير منهّم إما أسرى للميتافيزيقيا أو أسرى للمنطق الأرسطاليسي الذي عفى عليه الزمن و سقط بالضربه القاضيه بسبب العلم , أنا اسير للميتافيزيقيا الدينيه إذا كانت المسأله عقليه بحكم أنّي مؤمن , بينما من يتبع عقله فقط كمرشد للمعرفه خصوصاً الميتافيزيقيه الدينيه سيُعاني كثيراً لأن وجود الله سيتعارض مع بعض قواعد العقل و المنطق خصوصاً , فلذلك يجب أن نفهم لكّي نؤمن , لو أنّ كُل إنسان أخضع ما يؤمن به للفهم بجانبيه العقلي و الاخلاقي لماتت الكثير من الصنميات التي يؤمن بها الناس و خصوصاً الصنميات الوضعيه , ليس صراخ ان أقول الله موجود , و لكن أصرخ لأقول فتّش عن الله ستجدّه بشرط أن تُحررّ عقلك قليلاً من الرواسب المكتسبه , ففكرة الله ليست فكره مثاليه محّضه , بل عقليه و واقعيه و مثاليه , فكل الطرق الفلسفيه بمدارسها تؤدي إلى وجود الله , فأنا أفهم لأنّي أؤمن بالله أيها القسيس أوغسطين ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt; روحانية القرن الواحد و العشرين ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;هل الغرب من مادّي أو روحانّي ؟  الماديه التي عرابها الأول سقراط , قتلت الروحانيه التي عرابها الأول أفلاطون , فالصراع الأفلاطوني السقراطي هو صراع مادي روحاني بالأساس , الغرب تبنّى فكرة الماديه و نهض و لكن طغى بالجانب المادي حتى أصبحت الروحانيه بالكاد تُذكر , فالماديه الصرفه تقتل الإنسان بل تجعلهُ مثل الآله ذات التروّس و بالتالي فقد الكثير من الشعور بإنسانيته , هذا سبب بسيط من أسباب أنتشار اللا أخلاقيات بالحضاره الغربيه , بينما الروحانيه هي المسكّن لآلام الواقع و هي روح التفائل و هي الجنه الأرضيه , نعم التوازن مطلوب بين الجانبين الأرسطّي " المادي " و الأفلاطونّي " الروحاني " , طغيان أحدهما على الآخر كارثه , فطُغيان الماديه يجعل الإنسان مثل الآله , و طغيان الروحانيه يجعل الإنسان أسير للأساطير و الميتافيزيقيا و الطوباويه , فمالحّل إذن ؟ إنها الموزانه بينهما لا إفراط و لا تفريط , فالغرب الآن يعيش إرهاصات لبوادر رجوع الروحانيه من جديد , و هذا أندريه مالرو يقول ( إن القرن الواحد و العشرين سوف يكون روحانياً أو أنهُ لن يكون ) ! نعم سيكون هذا القرن روحاني لمللّ الإنسان من الماديه التي شوهّت صورته الحقيقيه , ليس بالغرب فقط بل بكل العالم , سيكون القرن الواحد و العشرين قرن الروحانيه ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt; &lt;span style="color:#ff0000;"&gt;ماهيّة الفــن ..&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;الفـن مُـحاكـاة الخيال المُبدع ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;strong&gt;&lt;span style="font-size:130%;"&gt;&lt;/span&gt;&lt;/strong&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div class="blogger-post-footer"&gt;&lt;img width='1' height='1' src='https://blogger.googleusercontent.com/tracker/8516487623365574304-5811334973504986894?l=wadaaah.blogspot.com' alt='' /&gt;&lt;/div&gt;</content><link rel='replies' type='application/atom+xml' href='http://wadaaah.blogspot.com/feeds/5811334973504986894/comments/default' title='تعليقات الرسالة'/><link rel='replies' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/30.html#comment-form' title='0 تعليقات'/><link rel='edit' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5811334973504986894'/><link rel='self' type='application/atom+xml' href='http://www.blogger.com/feeds/8516487623365574304/posts/default/5811334973504986894'/><link rel='alternate' type='text/html' href='http://wadaaah.blogspot.com/2010/04/30.html' title='شــــذرات 30'/><author><name>for live</name><uri>http://www.blogger.com/profile/03416978914645974791</uri><email>noreply@blogger.com</email><gd:image rel='http://schemas.google.com/g/2005#thumbnail' width='24' height='32' src='http://4.bp.blogspot.com/_s7nyORVSi9g/TNvK9PjiZlI/AAAAAAAAADs/vOSn8IwSmKs/S220/%25D9%2583%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D9%2580%25D8%25B7.jpg'/></author><thr:total>0</thr:total></entry><entry><id>tag:blogger.com,1999:blog-8516487623365574304.post-1302672489014899310</id><published>2010-04-10T15:11:00.002+03:00</published><updated>2010-04-10T15:15:53.382+03:00</updated><category scheme='http://www.blogger.com/atom/ns#' term='شذرات'/><title type='text'>شـــذرات 29</title><content type='html'>&lt;div dir="rtl" align="right"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt; الكوجيتو بين ديكارت و كيركيجارد ..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;كوجيتو ديكارت " انا أفكر إذاً أنا موجود " , و كوجيتو كيركيجارد " أنا أفكر إذاً أنا غير موجود " , بون منطقي واضح بين الإثنين , الاول عقلي منطقّي و الثاني فوضوّي عدمي , ديكارت عقلاني بل مؤسس العقلانيه الحديثه , و كيركجارد وجودّي متمرد على المثاليه الهيجليه , الضروف التي عاشها كيركجارد هي التي مزقتهُ فكرياً , فالتشائم الكبير الذي أحاط بهذا المُفكر هي من قولبّت فكره , فهو يكاد يكون أكثر من شوبنهور تشائم , فالعدميه التي عاشها بكونه مات قبل أن يموت بسبب موت عائلته في سن معينه فعلت فعلته بكيركجارد , فهو في زمانه يعتبر الحّي الميت , هذا ما قاده إلى هذا الكوجيتو العدمّي , ففقط الحيويه و الحب و الامان و تغلغل التشائم و الفوضى يميّت الإنسان , كيريجارد ضحية عصره و ليس عصره ضحيته , صحيح أنهث وجودي أكثر من سارتر و لكنهث وجودي ليس بقناعه منطقيه بل وجودي بسبب إضطراب حياته  , بينما ديكارت هو أكبر من ان اثنّي عليه , فيكفّي القول بان كل فرنسي لاثبات هويته يقول انا ديكارتي ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt; &lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt; جنّي سـقراط ..&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#000000;"&gt;&lt;strong&gt;لا أعلم من فرض هذه الإسطوره على سقراط , هل كان سقراط يحمل جنّي حوّل مسار حياته إلى الحكمه , هذا مستحيل منطقياً لأن الفلسفه لا تؤمن بالميتافيزيقيا التي على شاكلة إفتراضات وهميّه , خصوصاً فيما يتعلق بسقراط , قد يكون هذا الجنّي هو حدس رباني قُذف بعقل سقراط ليكون القابلة الرجاليه في إثينا , فسقراط قابل إبن قابله , أمّه تولّد النساء و هو يولّد الأفكار بعقول الرجال , هذا العبقري الذي حوّل مسار الفلسفه من الخارج إلى الداخل كإنطلاق , فالفلسفه قبل سقراط كان مسارها ينطلق من الخارج إلى الداخل و بعد سقراط أصبحت تنطلق من الداخل إلى الخارج , هذا العبقري الذي كان شهيد للفلسفه و المعرفه و قدّم روحه قربان لكل تنوير و حق , لا يمكّن أن يكون به جنّي ساكن , هل نحّن بالفلسفه نخوض مثل غمار الشعر و نقول إذا كان الشعراء يملكون من الجن فإن الفلاسفه يملكون كذلك على غرار إمتلاك سقراط جنّي ! أراه قول باطل و ليس منطقّي , فالبون واضح بين الفلسفه و الشعر , كما ان جنّي الشعر يختلف عن جنّي الفلسفه , فجنّي الشعر شيطان ساحر , بينما جنّي الفلسفه حدّس رباني ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt;&lt;/div&gt;&lt;div dir="rtl" align="justify"&gt;&lt;br /&gt;&lt;span style="font-family:georgia;font-size:130%;color:#ff0000;"&gt;&lt;strong&gt; الاخلاق بين اليونانييّن و كانط ...&lt;/strong&gt;&lt;/span&gt
